أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق المجمع

      

فرح ورجاء - Gaudium et spes

دستور رعائي في "الكنيسة في عالم اليوم (1)"
 

من الأسقف بولس، خادم خدّام الله، مع آباء المجمع المقدس، للذكرى الخالدة.

توطئة

تضامن وثيق بين الكنيسة والعائلة البشرية بأسرها
 

4301 -
1- إن آمالَ البشرِ وأفراحَهم، في زمننا هذا، إنَّ أحزانَهم وضيقاتهم، لا سيما الفقراء منهم والمعذَّبين جميعاً، لهي أفراحُ تلاميذِ المسيح وآمالُهم، هي أحزانُهم وضيقاتهم. وهل من شيءٍ إنسانيٍّ حق إلا وله صداهُ في قلوبهم؟ فجماعتهم تتألَّفُ من بشرٍ يجمعهم المسيحُ، ويقودُهم الروح القدس في مسيرتهم نحو ملكوت الآب. إنَّهم يحملون رسالةَ خلاصٍ عليهم أن يعرضوها على الجميع. ولذلك تعترفُ جماعةُ المسيحيين بتضامنها الحق والوثيق مع الجنس البشري وتاريخه.

إلى من يتوجه المجمع بكلامه

4302 -2- ولهذا السبب لا يتردَّدُ المجمع الفاتيكاني الثاني بأن يُخاطب لا أبناءَ الكنيسةِ والمسيحيين وحَسْب، بل كلَّ البشرِ، بعد أن إجتهد في أن يَنفُذ نفوذاً أعمق إلى سر الكنيسة. إنَّهُ يودُّ أن يَعرضَ على الجميعِ كيف تواجِهُ الكنيسةُ وجودَها وعملَها في عالمِ اليوم. إنَّ العالمَ الذي ينظرُ إليه المجمعُ هذه النظرة هو عالمُ البشرِ، عالمُ العائلةِ البشرية كلّها، دون أن يستثني الكونُ الذي تعيشُ فيه. إنَّ هذا العالمَ هو مسرحٌ لتاريخِ الجنسِ البشري؛ إنه العالمُ المطبوعُ بجهودِ الإنسان بما فيها من فشلٍ ونجاح. إن المسيحيينَ يؤمنونَ أن الله بمحبته أرسى أساسات هذا العالم ولا يزالُ يحفظُه. أجل لقد سَقَطَ العالمُ تحت عبوديَّةِ الخطيئةِ غير أن المسيحَ كَسَرَ، بصليبِه وقيامتِه، شوكةَ الشريرِ وحرَّرَ هذا العالم ليتحولَ وِفقاً لتصميمِ الله فيبلغَ إلى الكمال.

خدمة الإنسان

4303 -
3- إنَّ الجنسَ البشري إعتراهُ اليوم ذهولٌ أمامَ إكتشافاته وجبروته. ومع ذلك فإنه غالباً ما يتساءَل قلقاً عن تطوُّرِ العالمِ الحاضرِ، وعن مكانِ الإنسانِ ودورِهِ في هذا الكون، وعن معنى جهودِهِ الفرديّة والجماعيّة، وفي النهاية يتساءَلُ أيضاً عن المصيرِ الأخيرِ الذي ينتظرُ هذه الأشياء وهذه الإنسانيّة. فلا يَسَعُ المجمعُ بما أنه الشاهدُ والدليل على إيمانِ شعبِ الله كلِّه الذي يجمعُهُ المسيح، أن يعطيَ برهاناً أسطع عن تضامنِهِ مع العائلةِ البشريَّةِ بأسرِها، التي تضمُّ شعبَ الله، وعن إحترامِهِ وحبِّهِ لها، إلا بالحوارِ معها حولَ هذه المشاكل المتنوعة، فيسلِّطُ عليها أنوارَ الإنجيل، ويضعُ بتصرُّفِ الجنسِ البشري قوَّةَ الخلاصِ التي أغدَقَها على الكنيسةِ مؤسِّسُها الإلهي بقيادةِ الروح القدس.

فالإنسان هو الذي يجب أن يُخلَّص والجماعةُ البشرية هي التي يجبُ أن تُجدَّد. ولذلك فالإنسانُ الذي سيكونُ محورَ عرضِنا هذا هو الإنسانُ الواحد والكلّ، النفسُ والجسم، القلبُ والوجدان، الفكرُ والإرادة. ولهذا السبب، إذ يُعلنُ المجمعُ أن للإنسانِ دعوةً ساميةً، ويؤكِّدُ أن زرعاً إلهياً قد وُضِعَ فيهِ، فإنَّه يَعرضُ على الجنسِ البشري تعاونَ الكنيسةِ الصادق لتأسيسِ أُخُوَّةٍ شاملة وفقاً لهذه الدعوة فلا يدفعُ الكنيسةُ أيُّ طموحٍ دُنيويٍّ ولا تتوخى سوى غايةً واحدةً وهي أن تُتابعَ، تحت زخْمِ الروحِ القدسِ المعزّي، عَمَلَ المسيحِ نفسِه الذي أتى إلى العالم ليشهَدَ للحق، ليُخلِّصَ لا ليدينَ، ليَخدُمَ لا ليُخدَم (2).

ــــــــــــــ

1- الدستور الراعوي "الكنيسة في عالم اليوم" واحد في ذاته وإن كان في قسمين اثنين.
وقد قيل له دستور "راعويّ" لأنّه، حينَ استند إلى المبادئ العقائديّة، هَدف إلى الإفصاح عن علاقة الكنيسة بالعالم، والكنيسة وأبناء هذا الزمان. وهكذا فالهدف الراعوي غير غائب عن القسم الأوّل، والهدف العقائدي غير غائب عن الثاني.
في القسم الأوّل تبسط الكنيسة عقيدتها في الإنسان، وفي العالم الذي أقيم فيه الإنسان، وفي موقفها بالنّسبة إليهما. وفي الثاني تتطرّق تطرقاً أدقّ إلى وجوه مختلفة من الحياة الحاضرة ومن المجتمع الإنساني، ولا سيّمَا الموضوعات والقضايا التي تظهر من هذه الناحية أشدّ الحاحاً بالنسبة إلى زَمَنَنا الحاضر. وهكذا ففي القسم الأخير الذي خضعت المادّة فيه لمبادئ عقائديّة، لم تنحصر معالجة تلك المادّة في عناصر ثابتة، بل تعهدّها إلى عناصر حائلة.
وهكذا فلا بدّ، في تفسير هذا الدستور، من اتباع المبادئ العامّة المتّبعة في تفسير اللاهوتي، مع التقيّد، في القسم الثاني خصوصاً، بمراعاة الأحوال المتحرّكة التي ترتبط من طبيعتها، بالأمور المُعالَجة.

ــــــــــــ

2- يو 3 / 17 و 18 / 37 ، متّى 20 / 28 ، مر 10 / 45.

ــــــــــــــ
ملاحظة: الأرقام الواردة هي تلك المستعملة في كتاب "دنتسنغر ـ هونرمان". الكتاب متوفر باللغة العربية في جزئين تحت عنوان: الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، رقم 27 و28 من سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، منشورات المكتبة البولسية، عام 2001.
 


مقدمة عامة
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي