أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق المجمع

      

نور الأمم - Lumen Gentium

دستور عقائدي في "الكنيسة"
 

من الأسقف بولس، خادم خدّام الله، مع آباء المجمع المقدس، للذكرى الخالدة.

الفصل الأول: سرّ الكنيسة

توطئة

4101 -1- المسيح هو نور الأمم، لذلك يرغب المجمع المقدّس الملتئم في الرّوح القدس، رغبةً حارةً في أن يستنير جميع الناس بنور المسيح المتألق على وجه الكنيسة، باعتلان الإنجيل للخليقة كلّها (مر 16: 15).

ولمّا كانت الكنيسة هي في المسيح بمثابة السرّ، أيّ العلامة والأداة في الاتّحاد الصّميم بالله ووحدة الجنس البشريّ برمتّه، فإنها بالاستناد إلى تعليم المجامع السّالفة، تروم أن توضح بوجه أدقّ، لمؤمنيها للعالم كلّه أجمع، طبيعتها الذاتيّة ورسالتها الجامعة، ولا سيمّا وإنّ الأحوال الراهنة تلّح عليها بقضاء هذا الواجب لكي يتمكن الناس من أن يحققّوا، هم أيضاً، وحدتهم التامة في المسيح، بعد إذ باتوا اليوم على اتّصال أوثق في ما بينهم بروابط الاجتماع والتقّنية والثقافة.

قصد الله الآب خلاص الناس

4102 -2- إنّ الآب الأزليّ، بتدبير حكمته وجودته الحرّ الخفي، قد أبدع الكون بأسره، وقضى بأن يرفع الناس إلى مستوى الشّركة في حياته الإلهية، ولمّا زلّوا في آدم لم يهملهم، بل ظلّ على الدوام حادباً عليهم بأيده الخلاصيّ، من أجل المسيح الفادي "الذي هو صورة الله الغير المنظور، والمولود قبل كل خليقة" (كول 1: 15). ثم إن جميع المختارين الذين سبق الآب فعرفهم منذ قبل الدهور، قد "ميزّهم وحدّد أن يكونوا مشابهين لصورة ابنه فيكون بكراً لأخوة كثيرين" (روم 8: 29)، وإنّ جميع الذين يؤمنون بالمسيح قرّر أن يدعوهم في الكنيسة المقدّسة، التي، بعد إذ بشر بها بالرموز منذ بدء العالم وهيّئت بوجه عجيب بتاريخ شعب اسرائيل والعهد القديم (1)، أُنشِئَت في الأزمنة الأخيرة، وأُعْلِنَت بحلول الروح القدس، وستتم في المجد في اليوم الآخر، وإذ ذاك، كما ورد في الآباء القدّيسين، يجتمع عند الآب، في الكنيسة الجامعة، جميع الصدّيقين منذ آدم، "من هابيل البارّ إلى آخر مختار" (2).

رسالة الابن

4103 -3- فقد أتى الابن إذن، وقد أرسله الآب الذي اصطفانا فيه من قبل إنشاء العالم،وقضى بأن نكون ابناءً بالتبنّي، لأنه شاء أن يجمع فيه كلّ شيء (أف 1: 14-5و10). وعملاً بمشيئة الآب أنشأ المسيح على الأرض ملكوت الله، وكشف لنا عن سرّه، وحقّق بطاعته فداءنا. وبدأت الكنيسة، أيّ ملكوت المسيح الحاضر حضوراً سريّاً، تنمو بقدرة الله في العالم، نمواً ظاهراً. وهذان الابتداء والنمو يرمز أليهما الدم والماء الخارجان من جنب يسوع المطعون على الصليب (يو 19: 34)، وتشير إليهما كلمات الربّ في موته مصلوباً: "وأمّا أنا فمتى ارتفعت عن الأرض اجتذبت إليّ كل شيء" (يو 12: 32). ومن ثمّ فكل مرة تقام على المذبح ذبيحة الصليب التي "ذبح بها المسيح فصحنا" (1 كور 5: 7)، يتمّ عمل افتدائنا، وكذلك تتمثل، في سرّ الخبز الإفخارستي، وحدة المؤمنين الذين يؤلفون في المسيح جسداً واحداً (1كو 10: 17)، وتتحقّق. فإلى الاتحاد بالمسيح الذي هو نور العالم، والذي نحن منه، وبه نحيا، وإليه المصير، دعي الناس كلّهم أجمعون.

الروح الذي يقدّس الكنيسة

4104 -4- ولمّا أنجز العمل الذي كلّف الآب ابنه تحقيقه على الأرض (يو 17: 4)، أرسل الروح القدس، في يوم العنصرة، لكي يقدّس الكنيسة في استمرار، فيكفل للمؤمنين الدّخول إلى الآب بالمسيح في وحدة الروح (أف 2:8).فإنه هو روح الحياة، والنبع المتدفّق ماءً للحياة الأبدّية (يو 4: 14،7: 38-39). وبه يعطي الآب الحياة للذين أماتتهم الخطيئة، إلى يوم يبعث في المسيح أجسادهم المائتة (روم 8: 1-1).والروح يسكن في الكنيسة وفي قلوب المؤمنين كما في هيكل (1كور 3: 16،6: 19)، وفيهم يدعو،ولهم يشهد بأنهم أبناء الله بالتبنّي (غلا 4: 6، رو 8: 15-16و26). وهذه الكنيسة التي يرشدها إلى الحقيقة كلّها (يو 16: 13) ويكفل لها وحدة الشركة والخدمة الرّوحية، يجهزّها ويقودها بمختلف المواهب، مواهب السّلطة ومواهب المنّة، ويزيّنها بثماره (أف 4: 11-12،1كور 12: 4،غلا 5: 22)، ثمّ إنه بقوّة الإنجيل يحفظ للكنيسة شبابها، ويجدّدوا في استمرار، سائراً بها إلى تمام الاتحاد (3) بعريسها: ذلك بأنّ الروح والعروس يقولان للرّب يسوع: "هلّم" (رؤ 22: 17). وهكذا تظهر الكنيسة الجامعة "شعباً يستمدّ وحدته من وحدة الآب والابن والروح القدس" (4).

ـــــــــــــــ

1- راجع القديس كبريانوس رسالة 64، 4: آباء الكنيسة اللاتينية 3، 1017، (هارتيل) الجزء الثالث، ب، ص، 720، القديس هيلاريوس عن إنجيل متى 23 – 6: آباء الكنيسة اللاتينية 9، 1047، القديس أغسطينوس متفرقات، القديس كيرلس الإسكندري شرح في تكوين 2 – 10 آباء الكنيسة اليونانية 69، 110.

2- راجع القديس غريغوريوس الكبير: شرح في الإنجيل 19، 1: آباء الكنيسة اللاتينية 76، 1154 ب، القديس أغسطينوس: عظة 341، 9، 11: آباء الكنيسة اللاتينية 39، 1449، القديس يوحنا الدمشقي ضدّ محطمي الأيقونات 11: آباء الكنيسة اليونانية 96، 1357.

3- راجع القديس إيريناوس ضد الهراطقة: 24، 1: آباء الكنيسة اليونانية 7، 966 ب، هارفيه 2، 131، طبعة سانيار، المصادر المسيحية ص 398.

4- القديس كبريانوس: الصلاة الربانية 23: آباء الكنيسة اللاتينية 4، 553، هارتل الجزء الثالث أ، ص 285، القديس أغسطينوس: عظة 71، 20، 33: آباء الكنيسة اللاتينية 38، 463، القديس يوحنا الدمشقي ضدّ محطمي الأيقونات 12: آباء الكنيسة اليونانية 96، 1358 ب.

ــــــــــــــ
ملاحظة: الأرقام الواردة هي تلك المستعملة في كتاب "دنتسنغر ـ هونرمان". الكتاب متوفر باللغة العربية في جزئين تحت عنوان: الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، رقم 27 و28 من سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، منشورات المكتبة البولسية، عام 2001.
 



 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي