وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 10)

 

ت‌-   الدور المركزي لكلمة الله:

من أهم الأمور التي قبلتها الكنيسة الكاثوليكية من المجمع إعادة الدور الرئيسي لكلمة الله في الليترجيا وحياة الجماعات المسيحية. ففي الليترجيا أُدخِل استعمال اللغات الحيّة في الكنيسة الرومانية، وتوسّعت القراءات من كلا العهدين القديم والجديد، بحيث صار لزاماً على شعب الله أن يكتسب بُعداً كتابياً في صلواته وتقواه وحياته. وفي كثير من الرعايا درجت عادة عقد اجتماعات خلال الأسبوع يتمّ فيها تأمّل حول القراءات التي سوف تُتلى في ليترجيا الأحد القادم. وأنشئت معاهد لدراسة الكتاب المقدس، وأعطي دور كبير للكتاب المقدس في معاهد اللاهوت. كما احتل الكتاب المقدس دوراً هامّاً في مختلف الحركات الرسولية والمواهبية، وحتى في الحركات التحررية التي راحت تبحث عن أسس كتابيّة للإصلاحات السياسية والاجتماعية التي تحارب لأجلها، بما في ذلك تسرّع في التفسير وتحوير المعنى الأصلي للنصوص الكتابيّة.

لقد عادت كلمة الله واحتلّت في الكنيسة دورها المركزي، مع أنّ الكنيسة لم تصل بعد إلى حلّ كل المُعضلات التي نشأت من جرّاء ذلك، ولا سيّما بشأن تطبيق العلوم اللغوية والتاريخية على تفسير النصوص الكتابيّة، بشأن العلاقة بين تعاليم الكتاب المقدس وحياة الناس السائرين على دروب التحرر والسلام. لا بدّ للكنيسة في الفترة اللاحقة من العمل جدّياً للوصول إلى انسجام بين عناصر ثلاثة في حياة الشعب المؤمن: الصلاة انطلاقاً من كلمة الله، والتفسير العلمي لنصوص الكتاب المقدس، وتاريخ البشر في حياتهم اليومية. غير أن كلمة الله لم تعد مقيّدة، وها هي تَسِمُ بسِمة جديدة حياة الكنيسة وممارسة المسيحيين في العالم (16).

 

ث‌-   قبول الحركة المسكونية:

لقد وَعَت الكنيسة الكاثوليكية في المجمع الفاتيكاني الثاني أنها لن تستطيع تمييز "علامات الأزمنة" التي تُشير إلى عمل الروح في العالم إلاّ بقدر ما تكون مُنفتحة على سائر الكنائس المسيحية. وانطلاقاً من هذا المجمع طَوَت الكنيسة الكاثوليكية صفحة ً قديمة من تاريخها كانت تنظر فيها إلى الكنائس غير الكاثوليكية نظرةَ عداءٍ وحذر. وبدأت مرحلة جديدة تعدّدت فيها اللقاءات المُتبادلة واللجان المُشتركة بين الكنيسة الكاثوليكية ومختلف الكنائس: فأُنشئت لجنة للحوار مع الكنيسة الأنكيكانيّة، ولجنة أخرى للحوار مع الكنائس اللوثرية المُتحدة، ولجنة للحوار مع الكنائس المصلحة ولجنة خاصة بالحوار مع الكنائس الأرثوذكسية. ونتائج أعمال اللجان تظهر تباعاً في نصوص لاهوتية مشتركة تعبّر عن النقاط الإيمانيّة التي تجمع بين الكنائس على أمل الوصول إلى الشركة الكاملة في الإيمان.

ونشأ كذلك تعاون بين الكنيسة الكاثوليكية ومجلس الكنائس العالمي، وإن لم يصل حتى الآن إلى دخول الكنيسة الكاثوليكية كعضو في هذا المجلس. إلاّ أن تطوّراً هاماً في الحركة المسكونية حدث في كنائس الشرق الأوسط سنة 1989، بدخول الكنائس الكاثوليكية الموجودة في الشرق كأعضاء في مجلس كنائس الشرق الأوسط. وكان أول لقاء رسمي في الجمعية العامة التي عُقِدَت في قبرص من 22 إلى 28 كانون الثاني سنة 1990.

بعد خمس وعشرين سنة من الحوار المسكوني، اتّضح أن ذهنيّة جديدة قد نشأت، وهي تقوم على القناعة بأن الاختلاف بين الكنائس يمكن تخطّيه دون إرغام إحدى الكنائس على التخلّي عن مواقفها والارتداد إلى مواقف كنيسة أخرى. فالارتداد هو عمل مطلوب من كل الكنائس لكي تُميّز في مواقفها بين ما هو أساسي ولا يمكن التخلّي عنه، وما هو ثانويّ ويمكن تغييره في الحوار مع الكنائس الأخرى. فالكنيسة الكاثوليكية بدأت تتساءل بالاحتكاك مع الكنائس غير الكاثوليكية عن إمكان تغيير ممارسة بابا روما سلطته في الكنيسة، دون التخلّي عمّا له من دور خاص في المحافظة على وحدة الكنيسة. وكذلك الكنائس الإنجيلية بدأت تتساءل عن ضرورة الخدمة الكهنوتية وضرورة ارتباطها بالتسلسل الرسولي دون التخلي عن الحرية الإنجيلية إزاء الأشكال المؤسسية التي اتخدتها الخدمة الكهنوتية في التاريخ. كما راحت الكنائس الأرثوذكسية تتساءل عن ضرورة الارتباط بأسقف روما كما ورد ذلك في القرون العشرة الأولى من تاريخ الكنيسة دون التخلّي عن استقلالية الكنائس المحلية في إدارة شؤونها الخاصة.

ــــــــــــ

راجع:16) G.ALNERIGO et J.P.JOSSUA (éd.) La Réception de Vatican II, Paris, Cerf, 1985, p. 184-185

 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة السابقة
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة التالية