وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 11)

 

ج‌-   الجماعيّة في الكنيسة:

إن مجرّد التئام أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في مجمع عام قد أيقظ فيهم روح المسؤولية الجماعية عن شؤون الكنيسة. فإلى جانب الدور المميز الذي أكده المجمع الفاتيكاني الأول للبابا في الكنيسة، أوضح المجمع الفاتيكاني الثاني دور الأساقفة كأفرادٍ وكجماعة. فأوضح أن كلَّ أسقفٍ هو في كنيسته "نائب السيد المسيح" و"خليفة الرسل"، وأبرز أهميّة الاجتماعات التي يعقدها "مجلس الأساقفة" في كل بلد لتحديد موقف الكنيسة من مختلف مواضيع الإيمان والحياة المسيحية في العالم. وهذا ما حدث في الواقع في الخمس والعشرين سنة الماضية في مختلف البلدان. فعلى هذا الصعيد تأكّد أن التعبير عن تعليم الكنيسة الجامعة ليس من شأن السلطة المركزية وحسب، بل هو أيضاً من شأن كلّ الكنائس المحليّة في العالم.

وانطلاقاً من فكرة الجماعيّة في الكنيسة أُنشئ في روما "سينودس الأساقفة" الذي يلتئم من وقت إلى آخر للتباحث في أمور الكنيسة العامة. وقد اعتبر إنشاء هذا السينودس تطبيقاً لمبدأ الجماعيّة في الكنيسة، إذ يقوم دوره على مساعدة البابا في القيام برسالته كعنصر ضمانٍ لوحدة الكنيسة ووحدة تعاليمها وإيمانها. إلاّ أنّ الكنيسة الكاثوليكية لم تتوصل بعد إلى صورة واضحة للعلاقة بين دور البابا ودور هذا السينودس الذي هو مجرّد مجلس استشاري إلى جانب البابا.

وتبقى هذه العلاقة المشكلة الكبرى التي يجب على الكنيسة العمل على حلّها في حوار مسكونيّ حول أوّليّة البابا من جهة كأول أسقف في الكنيسة، والبنية الجماعيّة للكنيسة من جهة أخرى (17). ولن تصل إلى الحل المنشود إلاّ من خلال تفكيرٍ مشترك مع الكنائس غير الكاثوليكية حول التسلسل الرسولي في الكنيسة جمعاء وحول ممارسة الجماعيّة في الكنيسة ولا سيّما في القرون العشرة الأولى من تاريخها، أي قبل الانفصال الأليم بين الشرق والغرب.

4- خلاصة:

"يشبه ملكوت السماوات شبكة كبيرة ألقيت في البحر، فجمعت سمكاً من كل صنف. ولمّا امتلأت أطلعها الصيادون أطلعها الصيادون إلى الشاطئ، ثم جلسوا وجمعوا الجيد في أوعية، وأما الرديء فرموا به خارجاً" (متى 13: 47 – 48). الكنيسة هي ملكوت الله على الأرض، هي شعب الله السائر على دروب الزمن. وفي كل فترة من تاريخ مسيرتها، لا بدّ لها من أن تعود إلى ذاتها وإلى ما جمعتْهُ، فتميّز الجيد فيها فتحفظه، والرديء برمي به. "يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة، وخبأتها في ثلاثة أكيالٍ من الدقيق، حتى اختمر الجميع" (متى 13: 33). الجيد في الكنيسة هو عمل الروح القدس فيها وفي العالم. وهذا العمل الإلهي هو ما يجب على الكنيسة أن تميّزه لتضعه كخميرة في حياتها ومؤسساتها وفي حياة العالم ومؤسساته، لكي تخمّر الخميرة الإلهية حياة الكنيسة وحياة العالم. هذا ما أراد المجمع الفاتيكاني الثاني توضيحه، وهذا ما تسعى كنيسة ما بعد المجمع إلى تحقيقه.

ــــــــــ

17) هذا ما رآه حالاً بعد المجمع كارل راهنر بنظرته الثاقبة المعهودة، إذ قال: "ألا تصير سلطة الجماعة (Collegium)  ومبادرتها في الواقع وهماً كلامياً، إذا كان يستطيع البابا في كل لحظة أن يوقف عملها "بحرية"؟ ليس من الضروري أن نستفيض في التفسير بأن هذه المسالة هي بلا ريب المسألة الرئيسية في حوار مسكوني حول الأولية والبنية السينودسية للكنيسة".(Lexicon für Theologie und Kirche, Freiburg,1966, I, 227) المرجع السابق، ص 324.
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة السابقة
 

الصفحة الرئيسية