وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 2)

1- تنظيم المجمع:

يخضع المجمع من الناحية القانونية للنظام الذي ينصّه الحقّ القانوني الأخير الصادر سنة 1918. وبناءً عليه، فإنه مجمع الأساقفة الكاثوليك، يدعو إليه قداسة البابا ويحدّد جدول أعماله انطلاقاً من معضلة معيّنة أو مشكلة كبرى تواجه الكنيسة. وهو يرأس جلساته شخصياً أو بانتداب من ينوب عنه وفي ختام الأعمال يقوم بتثبيت مقرّراته.

في مواجهة هذا الحدث الضخم، سارع قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرون في السابع عشر من أيار سنة 1959 إلى تعيين لجنة إعدادية من عشرة أشخاص، برئاسة الكردينال تارديني، أمين سرّ الفاتيكان، لتقوم بالاتصالات اللازمة بالأساقفة والجامعات الكاثوليكية، بُغية استشارتهم في شأن المواضيع والمسائل التي يودّون طرحها على بساط البحث. وفي ما بعد، في الخامس من حزيران سنة 1960، صدرت براءة باباوية في تعيين لجان الصياغة المكلّفة إعداد نصوص المشاريع، وفي استحداث ثلاث دوائر سُميت: "أمانات السر".

1- اللجنة المركزية: يرأسها قداسة البابا، ويتولّى مهمة أمانة السر فيها المونيسنيور فليتشي.

2- اللجنة اللاهوتية: برئاسة الكردينال أ. أوتوفياني.

3- الجنة الأسقفية: برئاسة الكردينال م. ميمي.

4- لجنة تنظيم الإكليروس: برئاسة الكردينال ب. سيرياتشي.

5- لجنة الرهبان: برئاسة الكردينال ف. فاليرتي.

6- لجنة الأسرار: برئاسة الكردينال أ. ماسيللا.

7- لجنة الليتورجيا: برئاسة الكردينال ج. شيكونياني.

8- لجنة الدراسات والإكليريكيين: برئاسة الكردينال ج. بينداردو.

9- لجنة الرسالات: برئاسة الكردينال ج. أغاجنيان.

10- لجنة الكنائس الشرقية: برئاسة الكردينال ج. شيكونياني.

11- لجنة رسالة العلمانيين: برئاسة الكردينال ف. شَنتو.

12- لجنة الاحتفالات: برئاسة الكردينال أ. تيسرّان.

(المراسم)

1- أمانة سرّ الإعلام: برئاسة المطران ج. أوكونور.

2- أمانة سرّ وحدة المسيحيين: برئاسة الكردينال أ. بيا.

3- أمانة سرّ إدارية: برئاسة الكردينال أ. دي جوريو.

فجاء تنظيم لجان الصياغة موافقاً لعمل الدوائر الرومانية وخاضعاً لها، ممّا لم يرق كثيراً للذين يطمحون إلى شيءٍ من التغيير، إذ لم تُبدِ في نظرهم هذه الأعمال التحضيرية أيّ توجّه في هذا الصدد.

يشارك في المجمع بصوت تقريري: البطاركة والكرادلة ورؤساء الأساقفة، والأساقفة، الأصيلون منهم والفخريون، وبعض رؤساء الرهبانيات العامّين. وقد وُضِع بتصرّف الآباء لاهوتيون بصفة مستشارين، بلغ عددهم المئتين في الدورة الأولى، واستمرّ في الازدياد في الدورات اللاحقة. ولم يتردد قداسة البابا يوحنا في الاستعانة بأولئك اللاهوتيين الذين أبعدتهم الرّقابة منذ بضع سنين، فأضحوا ركيزة المجمع وأسهموا بتحقيق القفزة الكبرى في فكر المجمع اللاهوتي وتوجّهه الأساسي. كما سمح للآباء الاستعانة بمستشاريهم الخصوصيين.

وبما أن المجمع هو "مجمع الأساقفة الكاثوليك"، فقد أثارت مسألة اشتراك العلمانيين مشكلة لا تزال عالقة إلى يومنا الحضر، لأن جميع العلمانيين الذين حضروا بعضاً من دورات المجمع، قد دُعوا بإرادة بابوية خاصة، وجلسوا في منصّة المستشارين، وقد اقتصر دورُهم على الإصغاء وإبداء المُلاحظات لأمانة سرّ المجمع. إلاّ أنه في عشيّة اختتام المجمع، أُعطيت الكلمة لإثنين منهم هما الأستاذ جان غيتون، عضو الأكاديمية الفرنسية، والسيد فيتورينو فيرونيز. وقد صرّح أمين سر المجمع العام، المونسينيور فليتشي، في هذا المضمار: "لا شيء يحول دون مشاركة العلمانيين أساقفتهم... ودون الإدلاء بمُلاحظاتهم واقتراحاتهم. بل على العكس، إنه لأمر نتمناه، لأنهم بصنيعهم هذا يشاركون بطريقة فعّالة في المجمع ولو بطريقة غير رسمية" (4).

لاقت مبادرة البابا في دعوة الكنائس الأخرى إلى إرسال مراقبين من قِبَلها لحضور المجمع، استحساناً كبيراً عمّ الأوساط المسيحية بأسرها. وقد تمّت الدعوة عن طريق الكردينال بيا، وبواسطة أمانة سر وحدة المسيحيين. فلبّت عشرون كنيسة، وتجمعاً كنسياً عالمياً، الدعوة إلى الدورة الأولى. وقد علّق الأخ روجيه شولتز على دعوة المراقبين بقوله: "لقد لمسنا جرأة البابا يوحنا الثالث والعشرين ومحبته، باستدعائه مراقبين غير كاثوليك إلى حضور المجمع وإقامتهم بين أبنائه، في حضن الأسرة الكاثوليكية. فلنكن بدورنا جريئين، ولا ننظر إلى الوراء، بل إلى ما يجب علينا القيام به الآن. إن إجماع الآباء على قبول مراقبين في المجمع، لخيرُ مشجع ٍ للحركة المسكونية... وعلى الرغم من الاتجاهات الفكرية والمواقف المختلفة، أبدى الأساقفة اهتماماً بالغاً لإقامة علاقات طيّبة مع من يخالفهم في الرأي. فإن تفهّمَ الآخرين، ولو كانوا على غير رأينا، واكتشاف البراهين التي هي وراء سلوك أخينا المغاير لسلوكنا، لَخيرُ عملٍ لتوحيد القلوب والآراء... ويعلّمنا هذا التفهم أن اختلاف الآراء في الكنيسة، كثيراً ما يكون عامل تكامل، بشرط أن تبقى محبة المسيح متملّكة في قلوبنا" (5). هؤلاء المراقبون إلتقاهم قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرون في الثالث عشر من تشرين الأول سنة 1962، إثر افتتاح المجمع، في لقاء ارتدى طابع الحديث العائلي الودّي في قاعة الكرادلة، وممّا قاله لهم بعفوية رائعة : "أما أنتم، فاقرؤوا في قلبي، تجدوا فيه أكثر ممّا على لساني... إن وجودكم الغالي ههنا، والتأثر الذي يعصر فؤادي، فؤاد الكاهن وأسقف كنيسة الله، وتأثرَ معاونيّ، وتأثركم الذي لا أشكّ فيه البتة، إنّ كل هذا ليدعوني إلى أن أبوح لكم برغبة قلبي الذي يتحرّق للعمل والألم في سبيل تسريع الساعة التي تتحقق فيها، للجميع، صلاة يسوع في العشاء الأخير..." (6). أما القس هيبرت روو، فصرّح أمام حفنة من الأساقفة الكاثوليك الفرنسيين: "إن دعوة مراقبين غير كاثوليك إلى المجمع الفاتيكاني الثاني لحَدثٌ ومنعطف في تاريخ الكنيسة. وإننا لفي أوج التأثر، لأن هذا الأمر يعني بالنسبة إلينا أن الكنيسة الكاثوليكية للمرة الأولى، تسعى إلى التجدد أمام شهود، بل يعني أكثر من ذلك، إذ تأخذ هذه الكنيسة بعين الاعتبار الأسئلة التي طرحها عليها ولا يزال يطرحها الإصلاح البروتستاني..." (7).

ولكن بعض الصعوبات برزت منذ اللحظة الأولى تواجه تنظيم المجمع، وفي طليعتها تزمـّـُت الدوائر الرومانية وتسلّطها. كان الجميع يشعرون، بل يعلمون العلم اليقين أن الدوائر الرومانية تأبى على نفسها الاستسلام لسير المجمع، وأنها تعمل على فشله. وقد أضحى الأمر واضحاً وجليّاً من خلال أعمال التحضير للمجمع، وهزال نصوص المشاريع المُعدة للبحث. فكلمة الحق تُقال، وهي أن الدوائر الرومانية لم تكن لَتُسَر بكل "هؤلاء الغرباء الذين جاؤوا يفرضون عليها أفكارهم". حتى تجرأ أحد الكرادلة في هذه الدوائر وصرّح قائلاً: "نحن نكفّر عن جنون البابا يوحنا لمدة خمس عشرة دقيقة". فمنذ الجلسة العامة الأولى، حاولت هذه الدوائر الإمساك بزمام الأمور، لكن جرأة الآباء ووعيهم حالا دون ذلك، ومكّنا المجمع من الانطلاق في جوّ من الحرية واستقامة الرأي. ومن الصعوبات الأخرى، ضخامة عدد المشاركين الذي وصل إلى 2540 أسقفاً على اختلاف ذهنياتهم والتفاوت الكبير في أعمارهم ولغاتهم وتربيتهم، ولا سيّما بعد أن اتضح أن الكثيرين من الآباء لا يفهمون اللاتينية، ولا يقدرون على اعتمادها وسيلة تعبير، كما تقتضي الحاجة.

ــــــــــــ

4) المرجع السابق، ص 27، نقلاً عن Nº 1352, Col:668    D.C.,21 mai 1961,

5) S.OE., P.I, 18/ 1 / 1963,p.3.

6) D.C., 4 novembre, 1962.

7) المرجع نفسه.
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة السابقة
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة التالية