وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 3)

2- المرحلة الإعدادية:

في الثالث عشر من تشرين الثاني سنة 1960، بدأت الأعمال التحضيرية للمجمع المُقبل بقداس بيزنطي تاريخيّ في كنيسة القديس بطرس بروما، رئِسَهُ قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرون. وقد جاء في خطابه الذي تلاه في نهاية الليترجيا الإلهية: "إن احتفال اليوم يبدأ المرحلة الإعدادية للمجمع الفاتيكاني الثاني، وهي أكثر مراحله تأصلاً وخطورة. وكان من البديهيّ أن تبدأ على مذبح الحب وتستلهم مبادئ التقوى المسيحية التي تكفل الروح الصالح ونجاح المشروع الذي نَذَرْنا له النفس. إن هدف المجمع الجديد أن يُعيد إلى وجه الكنيسة بهاءَه الأول الأصيل" (8). وقد حدد قداسته لهذه المهمة السبل التالية: العودة إلى الجذور، وقدْرَ الأمور حق قدرها، والاحترام المتبادل والصبر والمحبة... والانفتاح على المواهب الروحية...

لم تنتظر لجان الصياغة الإعدادية هذا الافتتاح العلني لمباشرة أعمالها نظراً لضيق الوقت. وقد حثّها الأب الأقدس على عدم التباطؤ، فراحت تعمل بكدّ ونشاط على إعداد نصوص كاملة، غير مكتفية بالنقاط الرئيسية أو الاقتراحات، ومعتمدة في ذلك على العمل المشترك في لجان فرعية، وعلى الإجماع عند التصويت على المشروع. فلمّا انتهت هذه اللجان من صياغة مشاريعها، رفعتها إلى اللجنة المركزية. فعمدت هذه الأخيرة إلى مراجعتها، وشكّلت لجاناً مختلطة تضمّ أعضاءً مختلفين لدراسة الأمور المُشتركة التي تتناول عمل أكثر من لجنة. وبعد موافقة اللجنة المركزية على مشروع ما، كانت ترفعه إلى قداسة البابا شخصياً، ليبتّ نهائياً أمر عرضِه على الآباء في الجلسات العمومية. وقد تابع البابا يوحنا الثالث والعشرون بالدقة الكافية عمل اللجان، وعرف كيف يؤلّف بين التشجيع والتحريض وحسن الإدارة من جهة، والفسح في المجال أمام حرية التعبير والعمل من جهة أخرى.

3- أعمال المجمع:

وفي 23 حزيران 1962، افتُتح المجمع بطواف مهيب من القصر البابوي إلى كنيسة القديس بطرس، ضمّ 2540 حبراً من أحبار الكنيسة، وجمهوراً من المدعوين والرسميين. ثم احتفل عميد الكرادلة تيسّران بالذبيحة الإلهية باللغة اللاتينية. وتلت القداس تلاوة لإعلان الإيمان الذي تضمّن في آخره سلسلة من الحُرُم، جرحت شعور المراقبين ممثلي الكنائس الأخرى. لكن مسك الختام تجلّى في خطاب قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرين الذي اتّصف بالأهمية الكبرى لِبَثّه روح الانفتاح والمحبة والتجدد، ولتلطيفه جوّ الجلسة الثقيل الوطأة، المحمّل بمظاهر العصور الوسطى.

أمام العالم أجمع، قلب هذا البابا صفحة جديدة من صفحات تاريخ الكنيسة، أرادها بيضاء نقية، تزيّنها المحبة وتوشّيها روح الوحدة والإخاء. استهل قداسته بتفاؤل، فلفت النظر إلى "الظروف الاستثنائية المناسبة" التي يعقد في أجوائها هذا المجمع، ثم أوضح أن المهمة الأساسية المُلقاة على عاتق الآباء تقوم بالحفاظ على مستودع الإيمان المقدس والتعبير عنه بطريقة أكثر ملاءمة للعصر، وبأسلوب أكثر فاعلية دون أن يقتصر الأمر على تكرار ما أعلنته المجامع السابقة، أو على الاستفاضة في شرحه. وتحاشياً عن الأخطاء السالفة، قال إنه لا بدّ أن يُعمّ أسلوب المحبة والرحمة والفقر الإنجيلي، ويتفوّق على سائر الأساليب. لقد وُكِلَ إلى كنيسة اليوم مهمة الإسراع في توحيد الأسرة المسيحية، وجمْع شمل العائلة البشرية، مشدّداً على دور هذه الكنيسة الخطير إزاء شعوب الأرض كافة. وهكذا أطلق هذا الخطاب الروح التي يجب أن تسود أعمال المجمع، وتسيطر بالتالي على كل مقرراته.

امتدّت الأعمال المجمعية على مدى أربع سنوات في دورات أربع:

ــــــــــــ

8) المسرّة، كانون الأول 1960، ص 781 – 782.
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة السابقة
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة التالية