وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 4)

 

الدورة الأولى: خطوة لا رجعةَ بعدَها:

(11 تشرين الأول – 8 كانون الأول 1962)

استهلّ الآباء نِقاشهم في الجمعية العامة الأولى في 22 تشرين الأول 1962. وقد بدت نصوص المشاريع المُعدّة مشبَعة بلاهوت الكتب، تحمل ختم رئيس اللجنة اللاهوتيّة والتحضيريّة، الكردينال أوتوفياني الذي عَمَدَ إلى اختيار مُنشِئيها من بين المتمسّكين باللاهوت الكلاسيكي. وأثار تذييل هذه المشاريع بقائمة الهرطقات والحُرُم، نفور العديد من الآباء، الذين لم يلبثوا أن أثبتوا وجودهم بديناميّتهم وسعيهم الدؤوب إلى التقدم ودفع عجلة الكنيسة إلى الأمام.

لم يتطرّق النقاش في هذه الدورة إلى صلب العقيدة والإيمان، واكتفى المجتمعون بالبقاء في إطار اللاهوت، كتعبير لفهم الإيمان الواحد، فكان أن حَصَلَت المواجهة بين تيارين لاهوتيين:

1- التيار التصّوري العقلي: الذي يرتدي ذهنية القرن الثامن عشر، من غير أن يتّسم البتّة بتناغم الإنسان المعاصر وعقليّته، بسبب تزمّته المتشدّد وانغلاقه على نفسه.

2- التيار الحيّ: الذي يعتمد على المصادر المتجددة، والمتمثل بنوع خاص باللاهوتيين موهلر ونيومن. وهو يتلاءم والذهنية المعاصرة، ويلجأ إلى الأساليب الإيجابية التي تبتعد كلّ البعد عن التحيّز الفئوي والسلبي في منحاها، كما يمتاز ببعده الروحيّ العميق وانفتاحه على الحركة المسكونية والحوار مع الكنائس الأخرى.

ولم يلبث الآباء بغالبيتهم الساحقة أن تحسّسوا اللاهوت الحي وتحمسّوا له، على الرغم مما نالوه من تربية تقليدية في أعماق نفوسهم.

جاء في خطاب قداسة البابا لاختتام هذه الدورة: "إن الدورة الأولى كان شبهَ مقدّمةٍ تمهيدية، بطيئة واحتفالية، لافتتاح المجمع على الوجه الأعظم، وجهداً سخيّاً للدخول الأبلغ في صميم الغاية التي يريدها الله. فلقد كان من الضروري للإخوة القادمين من بعيد، والمُلتفّين هنا حول البيت الواحد، أن يتّصل بعضهم ببعض لكي يتعارفوا بوجهٍ أكمل، وكان لا بدّ للأنظار أن تلتقي بالأنظار، ولكلّ أخ أن يحسّ بقلب أخيه يخفق، وكان من الضروري الإطّلاع على مختلف الاختيارات، وتبادل وجهات النظر، للتأمل فيها والإفادة منه، في المعطيات الراعوية التي تعكس مُناخات الرسالة، وبيئاتها المتباينة أكثر ما يكون التباين" (9).

لقد اضطربت شرارة التجدد وأشعلت ثورة كبيرة في الكنيسة لن تنطفئ، حتى تحقق كل غاياتها وكامل أهدافها. ففَهِمَ الجميع أنه بات من المُستحيل الرجوع إلى الوراء أو المُحافظة على الوضع القائم.

الدورة الثانية: أزمة في النموّ:

(29 أيلول – 4 كانون الأول 1963)

في 3 حزيران 1963، بين الدورتين الأولى والثانية، توفيّ قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرون، وشفتاهُ تردّدان بلا ملل دعاء يسوع إلى أبيه السماوي: "ليكونوا بأجمعهم واحداً". وفي 21 حزيران تمّ انتخاب البابا بولس السادس الذي أعلن في أوّل خطاب له عزمه على تكريس الجزء الأكبر من حبريّته لمتابعة أعمال المجمع. وقد تساءل الجميع كيف يدير البابا الجديد المجمع، ويوجّه دفّة دورته الثانية، وهو يميل في طبعه إلى الخجل والبساطة، ولم يمضِ بعدُ على ارتقائه السدّة البطرسية إلا ثلاثة أشهر. لكنّ هذه التساؤلات ما لبثت أن تبدّدت وتطايرت الأوهام بعد خطاب البابا بولس السادس في افتتاح الدورة الثانية، هذا الخطاب الذي جاء جواباً على انتظار الأكثرين، يملؤهم فرحاً ويبثّهم أملاً... وعرض قداسته نقاطاً أربعاً تَخْتصِر أهداف المجمع:

- تحديد الكنيسة في هدفها ورسالتها.

- تجديد الكنيسة.

- الوحدة المسيحية.

- علاقات الكنيسة بالأديان غير المسيحية وبالعالم عموماً.

احتلّ مشروع "الكنيسة" مكان الصدارة في هذه الدورة، بل في أبحاث المجمع كلّه، ولا عجب في ذلك، لأن لهذا الموضوع أهميته الأساسية في حياة الكنيسة، إذ عليه يتمّ الاعتماد، وإليه الرجوع في بناء الأسس اللاهوتية وانعكاساتها على سائر مضامير الحياة الكنسية. لقد شكّل هذا المشروع المنعطَف الخطير، وتسبّب بأزمة حادّة وضعت مصير الكنيسة وتوجّه المجمع على المحكّ. وسرى الرَيب في النفوس الضعيفة، فراحت تتساءل: هل تقوى الكنيسة على مواجهة ذاتها والانفتاح على العالم المعاصر، أم تتمسّك بأهداب سلطةٍ زمنية وامتيازاتٍ إدارية، فتُدير بالتالي ظهرها للفرصة الذهبية، ضاربةً عرضَ الحائط بآمال الكثيرين وتطلعاتهم؟ تلك لَعمري أوج الأزمة التي بلغتها المناقشات قُبيْل التصويت التاريخي الذي جرى في 30 تشرين الأول 1963. لكن الآباء عبروا هذه الآونة الحرجة، برباطة جأش، وصدق، وأمانة للمهمة الشاقة الموكولة إليهم.

كان جو الأبحاث والمناقشات في هذه الدورة أكثر هدوءاً ونُضجاً وموضوعيّة. وازداد عدد المتكلمين باسم مجموعة من الأساقفة، تربطهم بعضهم ببعض أواصرُ القومية الواحدة أو اللغة أو الطائفة، كما ارتفع عدد المُراقبين المُنتدبين إلى 66 مراقباً، وأصرّ قداسة البابا بولس السادس على دعوة عدد من كبار العلمانيين الكاثوليك إلى المجمع، وفي هذه الخطوة تقدير لرسالة العلمانيين وخطورتها في كنيسة اليوم.

الدورة الثالثة: محنة الكنيسة:

(14 أيلول – 21 تشرين الثاني 1964)

أقبل الآباء إلى هذه الدورة وفي جُعبتهم ثلاثة عشر مشروعاً، فعكفوا على دراستها ومناقشتها. لكن هذه المرحلة، امتازت بقساوتها وصعوبتها، ولا سيّما في الأسبوع الأخير، إذ حاول المحافظون ثانيةً الحؤول دون تثبيت الإصلاحات التي تحققت مؤخَراً. وقد شكّل الفصل الثالث من مشروع "الكنيسة" الذي يتناول مسألة الجماعة الأسقفية وعلاقتها بخليفة بطرس العقبة الكبرى. كما برزت مُعضلة جديدة في 17 تشرين الثاني، عندما حاول بعض المتزمّتين استرجاع مشروع "الحرية الدينية" من أيدي أمانة سرّ الوحدة، التي سكبت فيه من روحها حتى جعلته محطّ الأنظار في الكنيسة وخارجها. ممّا لا شكّ فيه أن التعب والحماسة، بالإضافة إلى شدة التأثر وسرعة الانفعال، قد لعبا دورهما في توتير الأجواء التي حافظت على الرغم من كل ذلك على نسبة من الإيجابية مرتفعة. وهذا أمر طبيعي في مثل هذا الجو الذي يسوده الانفتاح وتطغى فيه الجدّية.

في ختام هذه الدورة وجد قداسة البابا بولس السادس نفسه متأرجحاً بين النزعتين: المحافظة والتقدمية اللتين تتنازعان المجمع. فما كان منه إلاّ أن حافظ على مواقفه الحياديّة، وآثر عدم التدخّل بقوة لدعم أي من الطرفين، تاركاً الروح القدس يعمل في الخفاء، وغيرَ مُبالٍ بالاستياء الذي أبداه كلا الجانبين إزاء هذا الموقف. لكن الدورة الرابعة ستُثبِت للجميع أن بولس السادس عرف كيف يقود الكنيسة إلى شطّ الأمان بفضل صبره وحكمته.

الدورة الرابعة: الأبواب المشرّعة:

(14 أيلول – 8 كانون الأول 1965)

قبيل وصول مركب المجمع إلى مكان رُسُوّهِ، سعى البابا بولس في خطابه لافتتاح هذه الدورة الأخيرة إلى توجيه دفّة الكنيسة في اتّجاه هو الأصح، وهو الكفيل وحده بتأمين حسن الختام، أي في اتّجاه المحبة. "المجمع كلّه فعل محبة": بهذه العبارة الموجزة، اختصر قداسته رحلة السنوات الأربع.

اتّسمت هذه الدورة بطابع الهدوء، وبسيطرة جوّ السلام، وبالرغبة في التوافق. أليست هذه هي الدورة الأخيرة؟ إذاً يجدر التحاشي عن الصدامات العنيفة التي قد تؤدي إلى نتائج سلبيّة يحكم عليها التاريخ بقسوة وبلا رأفة.

وقد رافق ختام هذه الدورة حدثان مسكونيّان بارزان تجليّا في وداع الإخوة المُراقبين باحتفال ليتورجي مُشترك في كنيسة القديس بولس خارج الأسوار، وفي رفع الحُرم بين روما والقسطنطينية الذي طوى صفحة سوداء قاتمة من تاريخ الكنيسة ليفتح صفحة بيضاء مشرقة. لقد غُسِل العار، وتمّت المصالحة في إطار "الشركة في المحبة"، لكن العقبات لا تزال تعترض سبيل "الشركة التامة في الإيمان والقدسيّات"، ولا بدّ من الحوار اللاهوتي المُشترك، ومن الجلوس جنباً إلى جنب، ووجهاً إلى وجه، لتخطّي هذه المرحلة، كما جاء في نص البيان المُشترك. وقد جاء هذا الأمر نتيجة طبيعية للّقاء التاريخي الذي شهدته القدس بين القطبين بولس السادس وأثيناغوراس الأول في شتاء 1964 ومن ثمّ قام قداسة البابا بمبادرتين مسكونيتين في خلال الدورتين الثالثة والرابعة للمجمع، تمثّلتا بإعادة "هامة" الرسول أندراوس إلى الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، وبعودة رُفات القديس البار سابا المُتقدس إلى ديره الأرثوذكسي في القدس. فكان لهاتين المُبادرتين أثرُهما البالغ في توثيق عُرى العلاقات بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية.

ـــــــــــ

9) المسرّة، نيسان 1963، ص 253 – 255.
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة السابقة
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة التالية