وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 5)

 

4- اختتام المجمع:

شهدت ساحة القديس بطرس في 8 كانون الأول سنة 1965 حفلة رائعة تجلّت فيها أُبّهة المواسم الكبرى، مؤذنة باختتام أعمال المجمع. وقد تألّبت الجموع الغفيرة، حتى ضاقت بها رحاب الباحة الواسعة الأرجاء، وفي مقدّمتها ممثل البطريرك المسكوني الذي احتلّ مكان الصدارة المرموق في المنصّة المُعدة للضيوف وللوفود الرسمية. وبعد الذبيحة الإلهية التي احتفل بها قداسة البابا بولس السادس، يحفّ به رَهْطٌ من الآباء المُتجلّلين بالحُلل البيض، وجّه قداسته باسم المجمع مجموعة من الرسائل إلى مختلف الفئات البشرية، من حكّام وأهل فكر وعلم، وفنانين ومرضى ومعذبين ونساء وعمال وشباب... وهكذا انتهى المجمع الفاتيكاني الثاني بوصوله إلى قلب كل إنسان على وجه الأرض وضميره. انتهى في روما وفي أروِقة كاتدرائيّتها ليعُمّ كل كنيسة محليّة، وكلّ مؤمن في أصقاع الدنيا بأسرها.

"المجمع حقق أموراً عظيمة". بهذه الكلمات البليغة عبّر الأستاذ نيكوس نيسيوتيس الأرثوذكسي عن موقفه، وهو المدير المعاون في معهد بوسّي المسكوني، والمراقب المنتدب عن مجلس الكنائس العالمي إلى المجمع: "لقد حقق المجمع أموراً عظيمة، ويكفي أنه أثار اهتمام المُعمَّدين بالمسيح من جميع الكنائس، لا بل اهتمام غير المسيحيين أيضاً بحياة الكنيسة في عصر سادته التقنية والشكوك. للمجمع أيضاًَ أهمية بارزة وأوّلية في الحركة المسكونية لأنه يُثير المشاكل المسكونية في تيّاراتها المختلفة، أمام الكنائس الأخرى العاملة في هذه الحركة. ففي حين تنتقد هذه الكنائس المسيحية الكنيسة الكاثوليكية وتأخذ عليها مركزيّتها الرومانية، ونظامها المُطلق، تجد نفسها مدعوّة بدورها إلى مُعالجة مشكلة نقص أو فقدان في السلطة عندها. إذا كانت الكنائس غير الكاثوليكية تهتم حقاً بكل ما يجري في روما، فقد حان لها أن تعي صعوبات كنيسة روما ومُشكلاتها، إذ هي أيضاً صعوباتنا ومشكلاتنا. ولدى انتقادنا روما، علينا أن ننتقد أيضاً ذواتنا..." (10).

لقد عمل الروح القدس على نفح روحه في الكنيسة، وعلى إحلال "العنصرة الجديدة" المُنتظرة، وقد ظهر هذا الأمر جلياً في سلسلة المُعجزات التي تحققت والصعوبات التي ذُلّلت:

1- لقد تم افتتاح المجمع في الموعد المحدد على الرغم من التخّوفات والتكهّنات الكثيرة التي رافقت الأعمال التحضيرية، ونجمت عن الإعلان المُفاجئ المبشّر بالمجمع. إلاّ أن خطاب قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرين الافتتاحي ضرب على الوتر الحسّاس لدى توجيهه المجمع نحو روح المحبة والرحمة والفقر الإنجيلي، وحثّه إياه على الإسراع في توحيد الأسرة المسيحية، وجمع شمل الأسرة البشرية.

2- حافظ المجمع على توجهه المسكوني مُستهزئاً بكل الرياح التي عصَفَتْ به، وضارباً عَرض الحائط بمُختلف الحواجز والصعوبات. ولا شكّ أن الدليل الساطع على ذلك يكمن في الخُطوات الجبّارة التي أنجزها كل من الحبرين بولس السادس ويوحنا الثالث والعشرين، وفي صلابة الكردينال "بيا" وحنكته.

3- أضفى حضور المُراقبين المُنتدبين والحرية التي تمتعوا بها في لقائهم اللاهوتيين الكاثوليك وفي تحرّكاتهم والمحاضرات التي ألقوها على مسامع الجماعات والمجالس الأسقفية المختلفة، صبغة من الشمولية الرائعة في إطار الاحترام المُشترك والاعتراف المُتبادَل بالآخرين.

4- توجّه المجمع بتدخّل ربّاني نحو الفقراء والمعوزين في مَنحى إنجيلي صِرفْ، ونجح في صياغة هذا التوجّه بأسلوب ملائم لحاجات العصر، ومناسِب لأوضاع العالم المُعاصر التي تميّزت بصعوبتها ومأسويتها.

5- تحوّل المجمع في فترة قصيرة إلى منبر حرّ، فلم يكن هذا الأمر سهلاً بالنظر إلى عدد المشاركين وتعدد انتماءاتهم القومية والحضارية واللغوية والروحية... وقد أسهم ذلك في تضامن المصَفّ الأسقفي، وفي وعي الكنيسة لمسؤولية المجمع بإزاء الكنيسة الشاملة، مما دفع الجميع إلى مُجابهة الدوائر الرومانية وتسلّطها، إذ انبرى العديد من الآباء، وراحوا يعملون بكدّ ونشاط، وبجدية تامّة، على توضيح دور "خليفة بطرس" و"أسقف روما"، على إعادة دور "المصفّ الأسقفي"، وتنظيم العلاقة بين هذين الدورين.

ــــــــــــ

10) نقلاً عن مجلة الوحدة في الإيمان، سنة 1965، العدد الأول، ص : 48 – 49.

 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة السابقة
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة التالية