وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 7)

 

القسم الثاني: المجمع الفاتيكاني الثاني بعد خمسٍ وعشرين سنة (عام 1990)

بقلم المطران كيرلّس سليم بسترس

 

بعد انقضاء خمس وعشرين سنة على المجمع الفاتيكاني الثاني، يمكننا أن نتساءل عن مدى تأثيره في حياة الكنيسة. فأهميّة المجامع بنوع عام لا تقوم على جسامة القرارات التي تتخدها بقدر ما تقوم على قبول تلك القرارات من قبل الكنائس المحليّة التي تدخلها في وعيها وتطبّقها في حياتها وأنظمتها. ويمكن القول بتعبير أدقّ إنّ الشعب المسيحي لدى سماعه قرارات المجمع تتحرّك فيه "حاسة الأيمان" التي غرسها الروح القدس في أعماق قلبه، فيتجاوب مع تلك القرارات إذ يرى فيها انسجاماً مع ذاته المسيحية، وتوضيحاً لمُختلف مواضيع إيمانه، وتطبيقاً لهذا الإيمان على حياة الزمن الحاضر. وتجاوبُ الشعب المسيحي مع قرارات المجامع هو دوماً تجاوب ديناميكي خلاّق. ففي بعض الأحيان – وهذا هو النهج الذي اتّبعه المجمع الفاتيكاني الثاني – يكتفي المجمع برسم خطوط عامّة وعرض مبادئ شاملة لطريق جديدة يريد أن تسير عليها الكنيسة، تاركاً لمختلف الكنائس المحلية توضيح هذه الخطوط وتطبيق هذه المبادئ على حياتها وأنظمتها.

إنّ فترة ربع قرن غير كافية لتقويم مجمع بأهميّة المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أدخلَ في الكنيسة نهجاً جديداً في التفكير الللاهوتي والعمل الراعوي. لا سيّما أن هذه الفترة لا تزال تنعكس فيها الصراعات والمشادّات التي سادت أجواء المجمع، إذ لا يزال على قيد الحياة روّاد التيارات المجمعية المُتناقضة. فيجب الانتظار فترة زمنية أطول ريثما يغيب هؤلاء الروّاد، وتوكل فعالية المجمع إلى ما يتضمنّه من ديناميّة خاصة. ولكم يمكن منذ الآن إبداء بعض الملاحظات على كيفية تقبّل الكنائس لهذا المجمع وعلى ما أدخله من جديد في نظرة المسيحيين وفي حياة الكنائس.

1- نظرة جديدة إلى الكنيسة:

لم يكن هدف المجمع الفاتيكاني الثاني تحديد عقائد إيمانيّة ولا تنظيم حياة الكنيسة في قواني مُفصّلة تُثـَبَّت كما هي في حقّ قانوني جديد (11). إنما كان هدفه تصحيح نظرة الكنيسة إلى ذاتها وإلى علاقاتها بسائر الكنائس وبالعالم، تلك النظرة التي وزنها التفكير اللاهوتي الكاثوليكي من المجمع التريدنتيني (1545 -1563) والمجمع الفاتيكاني الأول (1869 – 1870).

فمنذ المجمع التريدنتيني كانت الكنيسة الكاثوليكية تعتبر نفسها هي وحدها كنيسة المسيح وجَسَدُه السّري. وكلّ ما سواها من كنائس مسيحية أخرى ومن مؤسسات إنسانية غير مسيحية كان في نظرها خارجاً عن جسد المسيح. تلك النظرة ناتجة من مفهوم هَرَمي للكنيسة، بموجبه تنحدر السلطة من القمّة أي من بابا روما وتتوزّع على سائر الأساقفة، بحيث تتم الشركة بين الكنائس بفضل ارتباط كلّ منها بالسلطة البابويّة.

ففي نظرةٍ كهذه ليس من الضروري عقد أيّ مجمع يلتئم فيه أساقفة الكنائس المحليّة للتباحث في شؤون الإيمان والحياة المسيحية، إذ إنّ كل القرارات تصل إلى الأساقفة من قِمة الهرم. لذلك فإنّ دعوة مجمع إلى الانعقاد هي في ذاتها ثورة على هذا المفهوم للكنيسة. ولذلك كانت الفكرة الأساسية في المجمع الفاتيكاني الثاني نظرته الجديدة للكنيسة، إذ رأى أنّ الشركة بين الكنائس لا تنبع من كونها كلّها مُرتبطة ببابا روما وخاضعة لسلطته، بل من كونها مُتّحدة بالسيد المسيح رأس الجسد وبتعاليم الرسل الإثني عشر. فالأساقفة ليسوا نوّاب بابا روما ولا يستمدّون سلطتهم منه، بل هم على غراره – وإن كان هو الأول فيهم – نوّاب السيد المسيح يستمدّون سلطتهم منه بواسطة الرسل الذين هم يكوّنون هيئة تستمر فيها جماعة الرسل بتعاليمها الإيمانيّة ومسؤولياتها الرعائيّة.

أما بالنسبة إلى علاقة الكنيسة بسائر المسيحيين وبالعالم، فقد وقف المجمعان السابقان وقفة حذر وعداء من الكنائس المسيحية الأخرى ومن التيّارات اللاهوتيّة والفكريّة والثقافية المُعاصرة. تميّز موقف المجمع الفاتيكاني الثاني بانفتاح على الكنائس الأخرى وعلى سائر الأديان، وبانفتاح على مُختلف الثقافات المُعاصرة وعلى تاريخ البشر بِمُجمَلِهِ. وقد حاول من خلال هذه كلها أن يميّز "علامات الأزمنة" أي أن يدرك عمل الله نفسه في مختلف أعمال البشر.

ـــــــــــ

11) راجع:G.ALNERIGO et J.P.JOSSUA (éd.) La Réception de Vatican II, Paris, Cerf, 1985, p.30.
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة السابقة
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة التالية