وثائق كنسيّة
الفاتيكاني الثاني
 

 

المجمع الفاتيكاني الثاني
(للتعمُّق في الموضوع - 8)

 

2- منهجية لتفسير المجمع واستمرار ديناميّته:

لكنّ المجمع، وإن أدخل في الفكر اللاهوتي الكاثوليكي المُعاصر نظرة جديدة، إلاّ أنّه لم يُلغِ إلغاءً تاماً النظرة القديمة، بل حافظ عليها إلى جانب النظرة الجديدة. وهذا أمر هام يجب التنبّه له لدى قراءة النصوص المجمعيّة ولدى الحكم على ما أمكن تطبيقه منها حتى الآن (12). ثلاثة أمثلة توضح منهجيّة المجمع في هذا الموضوع: ففي الدستور العقائدي "الوحي الإلهي"، لم يُلغِ تعليم المجمع التريدنتيني أنّ الوحي الإلهي لا يوجد فقط في الكتاب المقدّس بل أيضاً في التقليد. غير أنّه أضاف إليه فكرة "وحدة الوحي" ورسالة السلطة التعليميّة في خدمة كلمة الله، وفي الدستور العقائدي "الكنيسة"، لم يُلغِ مقولة أوّلية الحبر الروماني وعصمته عن الضلال، بل أضاف إليها سلطة الجماعة الأسقفيّة ومسؤوليّتها. وفي القرار "الحركة المسكونيّة" لم يُلغِ التعليم القائل أن الكنيسة الكاثوليكية هي كنيسة المسيح الحقيقية، بل أضاف إليه تأكيد وجود عناصر كثير من الحقيقة والتقديس في سائر الكنائس.

تجب الإشارة إلى أنّه لم يتيسّر للمجمع إدخال هذه الإضافات إلاّ بتعميقه لتعاليم المجمعين السابقين. فتجاوز في موضوع الوحي المفهوم الذي يعتبر الوحي مجموعة تعاليم نظريّة، وفي موضوع الكنيسة أعاد اعتبار السمة الأسراريّة للأسقفية إلى جانب سلطة الولاية.

وفي النظرة إلى سائر الكنائس، أدخل تمييزاً هاماً بين الكنيسة الواحدة الجامعة المُقدّسة الرسوليّة من جهة، والكنيسة الكاثوليكية الرومانيّة من جهة أخرى. إنّ حدود المجمع الفاتيكاني الثاني تقوم في عجزه عن تقديم شامل مُتجانس يجمع بين عناصر تبدو متناقضة. ولكنّ مجرّد إدخال عناصر جديدة على تعليم المجمعين السابقين هو تقدّم يجب التنويه به لأنه يساعد الفكر اللاهوتي على اعتبار تعاليم المجمعين السابقين تعاليم نسبيّة، ويفتح آفاقاً جديدة لتطوّر مستقبليّ في فهم مواضيع الإيمان. لم يقدّم المجمع منهجاً لاهوتياً مكتملاً. تلك مهمة تركها للكنيسة وللاهوت، وعليهما القيام بها في قبولها لذهنيّة المجمع الجديدة قبولاً ديناميكياً خلاّقاً.

لذلك يمكن القول إنّ المجمع الفاتيكاني الثاني هو مجمع انتقال بين فترة من تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ولّت وفترة مستقبلية أراد المجمع أن يخلق لها ذهنية جديدة منفتحة. وهذا أمر هام يجب أخذُه بعين الاعتبار لدى تفسير ما التُبِسَ في النصوص المجمعيّة. فبعد المجمع انقسم المُفسّرون إلى فئتين: فئة تقدّمية غاب عن بالها أن المجمع لم يتخلَّ عن أي من عقائد المجمعين السابقين، وفئة محافظة أرادت أن تستعيد في كنيسة ما بعد المجمع ما فقدته في المجمع (13). لذلك لا يجوز التخلّي عن حرفيّة النصوص بحجّة المحافظة على روحيّة المجمع. فهناك تفاعل ديالكتيكي لا بدّ من الإبقاء عليه بين النصوص والذهنيّة، بغية التوصّل إلى تحقيق التطّور الضروري في وعي الكنيسة وبنياتها ومؤسساتها انطلاقاً من كونها شركة إيمان ومحبة. وهذا التطور الذي بدأ بعد المجمع لم يتحقق كاملاً حتى الآن. وإذا كان هذا المجمع مجمعاً انتقالياً، فلا يمكن القول إنه يمكن تحقيق هذا التطور تحقيقاً نهائياً، لأن مطلبه الأساسي هو الانفتاح الدائم على عمل الروح القدس في العالم.

ــــــــــــ

12) راجع:G.ALNERIGO et J.P.JOSSUA (éd.) La Réception de Vatican II, Paris, Cerf, 1985, p.56

13) المرجع السابق، ص 60.
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة السابقة
 

الصفحة الرئيسية

الصفحة التالية