أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

 

فيما يلي نورد الترجمة الكاملة لنص حديث البابا في جامعة ريغينسبورغ والذي أثار ردّات فعل حادة في العالم الإسلامي. في هذا الحديث يتضح لمن يقرأه بكامله بأن البابا لم ينوِ أن يتكلم عن الإسلام، فحديثه كان موجها لعلماء أوروبيين، وكان يُعالج مشكلة فكرية في أوروبا، ألا وهي نقد المنطق الحديث. وحيث أن الحديث كان موجهاً لعلماء فمن الطبيعي أن يحتاج القارئ لخلفية ثقافية فلسفية معينة ليتمكن من فهم مغزى الحديث بكامله. أما فيما يخص الحديث عن الإسلام فالبابا في معرض حديثه عن العلاقة بين إرادة الله وطبيعته أراد أن يستشهد بحوارٍ قديم من القرن الرابع عشر دون أن يتّفق مع العبارات التي استخدمها ودون أن يقصد توجيه إتهامٍ لفئة معيّنة، وإنه وإن قام بالنقد فقد قام به ضد تيار لاهوتيّ مسيحي وليس ضد الإسلام، كما يتبين من سياق النص الآتي.

لقد قمنا بالترجمة من اللغة الإيطالية بالإعتماد على جريدة الفاتيكان الرسمية "المراقب الروماني" (Osservatore Romano) الصادرة يوم 14/ أيلول / 2006.

حديث قداسة البابا بندكتس السادس عشر

خلال لقائه بممثلي العلماء في جامعة ريغينسبورغ (ألمانيا)

 
في مساء الثلاثاء 12 أيلول إلتقى البابا بندكتس السادس عشر ممثلي العلماء في الصالة الكبرى في جامعة ريغينسبورغ. بعد التحية الموجهة من قِبل المدير البروفسور أ. زيمِّر، ألقى البابا حديثه التالي:

 إنها للحظة مثيرة بالنسبة لي أن أكون هنا في الجامعة مرة أخرى وأن ألقي فيها درساً. تأخذني الأفكار لتلك السنين التي تلت فترةً قضيتها في معهد فرايسينغ العالي، حيث بدأتُ نشاطي كمدرِّسٍ أكاديمي في جامعة بون. كان ذلك في عام 1959 زمن جامعةِ المدرِّسين الإعتياديين القديمة. لم يكن هناك أساتذةٌ مساعدون ولا حتى ضاربون للآلات الكاتبة، لكن في المقابل كان هناك اتصالٌ مباشرٌ بين الأساتذة والطلاب وبين المدرِّسين أنفسهم. كانت اللقاءات تتمّ قبل الدروس وبعدها في غرف المُدرِّسين. وكان التواصل بين علماء التاريخ، الفلاسفة وعلماء اللغات ذو طابعٍ كثيف، كان هذا أيضاً حال جامعتي اللاهوت. كان يُعقَدُ لقاءً فصليّاً يُدعى "اليوم الأكاديمي" الذي فيهِ يجتمع جميع مدرّسي الجامعات للقاء طلاب الكليّة، وبهذا كانوا يُتيحون الفرصة لخبرةٍ "جامعةٍ" – الأمر الذي ذكرتموه قبل قليل يا حضرة المدير – خبرة تجعلنا نعي كيف أننا وبالرغم من الإختصاصات المتعددة، الذي تجعل التواصل بيننا صعباً في بعض الأحيان، إلا أننا نؤلف وحدةً واحدة ونعملُ بواسطة المنطقِ الواحد في أبعاده المتعددة، مما يجعلنا سوياً أمام مسؤولية استخدام المنطق بشكلٍ صحيحٍ، هذا الأمر كان يتحول إلى خبرة حية.

لقد كانت الجامعة فخورة أيضاً بكلِّيتي اللاهوت. كان من الواضح أنهما بطرحهما التساؤل حول عقلانية الإيمان كانتا تقومان بعملٍ يشكّل جزءاً من "الكل" في "عالم العِلم"، حتى لو لم يكن الجميع يشاركون بالإيمان الذي يجتهد اللاهوتيون في إظهار علاقته المتبادلة مع المنطق. هذا التوافق الداخلي في عالم المنطق لم يُصَب بأي ضرر حتى عندما انتشر خبرٌ مفاده أن أحد المدرّسين صرَّح بأن هناك كليتان منشغلتان بشيء غير موجود أي الله!.

حتى أمام تشكّكيةٍ جذريّةٍ كهذه يبقى من الضروري والمنطقي أن يُسائل المرءُ نفسه عن الله بواسطة المنطق، وأن يدور بحثه هذا في نطاق تقليد الإيمان المسيحي، كانت هذه قناعة لا جدل فيها بين أهل الجامعة.

خطر كل هذا على بالي عندما قرأت مؤخراً الجزء المنشور من قِبل البروفسور ثيودوروس خوري (مونستير) من الحوار الذي دار بين العلامة في التاريخ القديم الإمبراطور البيزنطي مانوئيل الثاني – ربما في شتاء عام 1391 م في أنقرة – وأحد العلماء الفرس حول المسيحية والإسلام وحول حقيقة كلٍّ منهما. وعلى ما يبدو أن الإمبراطور نفسه قد دوَّن هذا الحوار، خلال حصار مدينة القسطنطينية بين عام 1394 وعام 1402، ذلك أن حججه كانت واردة بشكلٍ مفصَّل أكثر بكثير من حجج محاوره الفارسي. يمتد هذا الحوار ليشمل جميع بنى الإيمان الواردة في الكتاب المقدس والقرآن، ويتوقّف بشكلٍ خاص عند صورة الله والإنسان، وأيضاً بشكلٍ ضروري عند العلاقة بين – كما كان يُقال – "الشرائع" الثلاث أو "أنظمة الحياة": العهد القديم، العهد الجديد والقرآن. لا أود الحديث في هذا الدرس عن هذا الموضوع؛ أود فقط أن أتناول موضوعاً – لا يُشكِّل إلا هامشاً في الحوار المذكور – إلا أنه فيما يخص موضوع "الإيمان والمنطق"، موضوع سحرني شخصياً ولذا سأستخدمه كنقطة إنطلاق لتأملاتي.

في اللقاء السابع المنشور من قِبل البروفسور خوري يتطرق الإمبراطور لموضوع الجهاد أي الحرب المقدسة. من المؤكَّد أن الإمبراطور كان يعرف الآية القرآنية "لا إكراه في الدين" (2, 256) الواردة في سورة تعود – كما يقول الخبراء – إلى العهود الأولى حين كان محمد نفسه يفتقد إلى القوة ومهدداً. لكن الإمبراطور كان يعرف بالتأكيد الأفكار الخاصة بالحرب المقدسة والتي تطورت لاحقاً وسُجِّلَت في القرآن. ودون الدخول في التفاصيل، بشأن الإختلاف بين معاملة "أهل الكتاب" و"الكافرين"، يتوجّه لمحاوره بشكلٍ مفاجئ يُذهلنا ليطرح عليه سؤالاً عن العلاقة بين الدين والعنف بشكلٍ عام فيقول له: "أرني ما الجديد الذي جاء به محمد، ولن تجد إلا أموراً سيئة ولا إنسانية، كطلبه نشر الإيمان الذي كان يبشّر به بواسطة السيف". وبعدما عبّر الإمبراطور عما في مكوننه بهذا الشكل الفظ، يشرح بالتفصيل كيف أن نشرَ الإيمان عن طريق العنف هو أمرٌ لا منطقي. العنف هو ضد طبيعة الله وطبيعة النفس. يقول "الله لا يحب الدماء، وبالتالي إنَّ من يتصرف ضد المنطق يتصرّف ضدّ طبيعة الله. الإيمان هو ثمرة النفس وليس ثمرة الجسد. مَن يريد إذاً أن يهدي أحداً للإيمان عليه أن يملك قدرة الكلام الحسن والمنطق الصحيح، وليس له أن يلجأ للعنف والتهديد... لإقناع نفسٍ عاقلةٍ ليس ضرورياً اللجوء لقوة الذراع أو لأدوات أو لأي شيء يمكن أن يهدد شخصاً بالموت...".

إن العبارة الأكثر أهمية في هذه الحجة ضدّ الهداية عن طريق العنف هي: إن من يتصرف  ضد المنطق يتصرّف ضد طبيعة الله. هنا يُعلّق الناشر ثيودوروس خوري قائلاً: "بالنسبة للإمبراطور الذي نشأ وترعرع في وسط الفلسفة اليونانية تبدو هذه العبارة واضحة المعاني. أما بالنسبة للعقيدة الإسلامية فالله متسامي بشكلٍ مطلق. وإرادته ليست مرتبطة بأيٍّ شيءٍ ولا حتى بالمنطق. في هذا السياق يستشهد خوري بعمل للمستشرق الفرنسي الشهير ر. أرنالدي الذي يوضح بدوره كيف أن ابن حزم يذهب في هذا إلى حد القول أن الله ليس مرتبطاً ولا حتى بكلمته ولا شيء يجبره على أن يكشف لنا الحقيقة. فعلى الإنسان حتى أن يسجد للأوثان لو كانت هذه إرادة الله.

هنا توضع أمامنا معضلةٌ متعلقةٌ بفهم الله وبالتالي بعيش الدين، معضلة تتحدّانا اليوم بطريقة مباشرة. هل القناعة بأن "التصرف ضد المنطق هو تصرف ضد طبيعة الله" هي مجرد فكرة يونانية أم أنها فكرة لها قيمتها الدائمة في ذاتها؟ أعتقد أنه في هذه النقطة تظهر المطابقة العميقة بين الفكر اليوناني في أحسن حالاته والإيمان بالله على أساس الكتاب المقدس.

لقد بدأ القديس يوحنا إنجيله مقتبساً الآية الأولى من سفر التكوين وهي أول آية في كل الكتاب المقدس ومغيّراً إياهاً لتصبح: "في البدء كان الكلمة (اللوغوس)". إنها ذات الكلمة التي يستعملها الإمبراطور: الله يعمل "باللوغوس" أي بالمنطق. إن كلمة لوغوس اليونانية تعني في الوقت ذاته منطق وكلمة – منطقٌ خلاقٌ قادرٌ على وهب ذاته كـ "منطق". بهذا أعطانا القديس يوحنا الكلمة النهائية حول فكرة الكتاب المقدس عن الله، بواسطة هذه الكلمة تصل كل دروب الإيمان، المُنهكة والمتعرجة، في الكتاب المقدس إلى هدفها، وبها تجد خلاصتها. يخبرنا يوحنا الإنجيلي بأنه في البدء كان اللوغوس واللوغوس هو الله. إن اللقاء بين رسالة الكتاب المقدس والفكر اليوناني لم يكن مجرد صدفة. كما يمكننا أن نؤوِّل رؤيا القديس بولس التي رآها في حلمٍ بعدما كانت أبواب آسية قد أُغلِقت في وجهه وفيها سمع توسّل أحد المقدونيين: "مرَّ بمقدونية وساعدنا!" (راجع أع 16 / 6 – 10) على أنها "تكثيف" لحتميَّةِ اللّقاء بين إيمان الكتاب المقدس وتساؤلات الفكر اليوناني.

في الواقع كان هذا التقارب قد بدأ منذ وقتٍ طويل. فإسمُ الله السريّ الذي أُعلن من العليقة المحترقة، سبق وعَزَلَ الله عن مجموع الآلهة متعددة الأسماء وذلك بقوله "أنا هو". إنّ كيان الله مقابل الأساطير هو احتجاجٌ عليها، احتجاجٌ يجدُ شبيهاً له في محاولة أرسطو تخطّي الأسطورة ذاتها. إن النهج الذي بدأ عند العليقة المحترقة، تطوّر في العهد القديم خصوصاً خلال السبي، حيث كان إله إسرائيل حاضراً من دون الأرض والعبادات، فأعلن عن نفسه أنه إله السماء والأرض وذلك بعبارة بسيطة تُعدُّ امتداداً للعبارة التي قالها عند العليقة: "أنا هو". يُرافق معرفة الله الجديدة هذه نوعٌ من التنوير الذي عُبِّرَ عنه بطريقة عنيفة في الإستهزاء بالآلهة التي ليست إلا صنع أيدي البشر (راجع مز 115). وهكذا بالرغم من قسوة إنعزال إسرائيل عن الملوك الهلينيين الذي كانوا يودّون أن يُخضعوه بالقوة ليجعلوه مطابقاً لهم في تصرّفاتهم وعباداتهم الوثنية، كان إيمان الكتاب المقدس في العصر الهلّيني يتلاقى في صميمه مع الجزء الأسمى من الفكر اليوناني إلى أن تحقق الإحتكاك المتبادل في الأدب الحكمي المتأخر. اليوم نحن نعلم أن الترجمة اليونانية للعهد القديم التي تمّت في الإسكندرية والتي تدعى بالسبعينية هي أكثر من مجرّد ترجمة من النص العبري (ذاك أن فكرة الترجمة بحد ذاتها لا تتمتع بإيجابية كبيرة): فالترجمة السبعينية هي شهادة مدوَّنة قائمة في ذاتها وهي خطوة خاصة ومهمة في تاريخ الوحي، فيها تحقق ذاك اللقاء [بين إيمان الكتاب المقدس والحضارة اليونانية][1] بطريقةٍ لعبت دوراً حتمياً في ولادة وانتشار المسيحية. في الحقيقة هو لقاءٌ بين الإيمان والمنطق، بين التنوير الأصيل والدين. بالإستناد إلى طبيعة الإيمان المسيحي الجوهرية وفي نفس الوقت إلى طبيعة الفكر اليوناني المنصهر منذ فترة مع الإيمان، استطاع مانوئيل الثاني أن يقول: "إنَّ من يتصرّف من دون اللوغوس يتصرف ضد طبيعة الله". بصراحة هنا يجب أن نقول بأنه في القرون الوسطى نمت في علم اللاهوت بعض النزعات التي أرادت أن تقطع هذه الصلة بين الروح اليونانية ونظيرتها المسيحية. ففي معارضته لما يُدعى بعقلانيةِ أغوسطينس وتوما الأكويني، بدأ دونس سكوت بعرضِ فكرة "الإرادة المُطلقة" التي وصلت في تطورها التالي إلى حدِّ التأكيد بأننا لا نعرف من الله سوى "إرادته المنظَّمة". خلف هذه الإرادة تكمن حرية الله التي بواسطتها كان الله قادراً حتى على خلق وصنع كل ما هو معاكس لما صنعه في الواقع. هنا تتنوع المواقف التي تُقارِب موقف ابن حزم وتؤدّي إلى تصور الله-الحر الذي لا يرتبط بأي شيءٍ ولا حتى بالحقيقة والخير. هكذا يُؤكَّد على تسامي الله واختلافه بشكلٍ مبالغٍ فيه، لدرجةٍ يكفُّ فيها منطقنا وحدسنا لما هو خير أن يكون انعكاساً لله، وتصبح إمكانيات الله العميقة غير مكشوفة لنا إلى الأبد، لا بل تتستَّر وراء قراراته الفعلية. ضدّ هذه الأفكار حافظت الكنيسة دائماً على إيمانها بأنه بيننا وبين الله، بين روحه الخالق الأزلي ومنطقنا المخلوق يوجد تشابه حقيقيّ فيه – كما يؤكد المجمع اللاتيراني الرابع عام 1215 م – الإختلافات هي أكثر من التشابه بكمٍّ لا حدَّ له، لكن ليس لدرجة انعدام التشابه القياسي وزوال لغته. لا يكون الله أكثر ألوهية إذا ما أبعدناه عنّا وجعلنا منه إرادةً صرفة لا يمكن تصوّرها، لكن الله الحقيقي هو الله الذي أظهر نفسه كـ "لوغوس" وهو الذي تصرَّف وما زال يتصرّف كـ "لوغوس" مملوء بالمحبة تجاهنا. طبعاً المحبة، كما يقول القديس بولس، "تفوق" كل معرفة ولهذا السبب فهي قادرة على الإدراك أكثر من الفكر المجرَّد (راجع أف 3 / 19)، مع ذلك فهي تبقى محبة الله-اللوغوس، لهذا فالعبادة المسيحية كما يقول القديس بولس هي "عبادة لوغوسية (منطقية)"، عبادة تتفق مع الكلمة الأزلي ومع منطقنا (راجع رو 12 / 1).

يُعتَبَر التقارب الداخلي المتبادل بين إيمان الكتاب المقدس وتساؤلات الفكر اليوناني الفلسفية، ذو أهمية حتمية ليس فقط في تاريخ الأديان وحسب بل في تاريخ العالم أيضاً، إنه لأمرٌ ما زال يؤكد نفسه إلى اليوم.

إذا ما أخذنا هذا التقارب بعين الإعتبار لا نستغرب كيف أن المسيحية، بالرغم من أصلها ونموها المهم في الشرق، قد تركت أخيراً بصمتها التاريخية النهائية في أوروبا. يمكننا أن نقولها بطريقة أخرى: هذا التقارب الذي أضيف إليه فيما بعد التراث الروماني قد شكَّل أوروبا ويبقى على حق أساس ما يمكن أن ندعوه أوروبا.

إن النظرية القائلة بأن التراث اليوناني، المُنقّى بشكلٍ نقدي، هو جزء لا يتجزء من الإيمان المسيحي لها من يُعارضها طالباً نزع الصبغة اليونانية عن المسيحية – وهو مطلبٌ يسيطر على علم اللاهوت منذ بداية العصر الحديث. بمراقبتنا لهذا المطلب عن كثب يمكننا أن نميز ثلاث موجات في برنامج "نزع الصبغة اليونانية": التي بالرغم من ترابطها مع بعضها البعض إلا أنها تتميّز الواحدة عن الأخرى في دوافعها وأهدافها.

يظهر مطلب "نزع الصبغة اليونانية" للمرة الأولى بين مطالب الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر. أمام واقع المدارس اللاهوتية، وجد المُصلِحون أنفسهم أمام تنسيقٍ للإيمان المسيحي تحدُّهُ الفلسفة بشكلٍ كامل، أي أمام تحديدٍ خارجي للإيمان وذلك بطريقةِ تفكيرٍ معيّنة غير نابعة من الإيمان نفسه. بهذا لم يظهر الإيمان ككلمةٍ تاريخيةٍ حيةٍ بل كعنصرٍ متموضعٍ في بنيةِ نظامٍ فلسفيّ. بينما تحاول فكرة المُصلحين القائلة بـ "الكتاب المقدس فقط" أن تعود لشكلِ الإيمان الأصليّ الصرف كما هي في كلمة الكتاب المقدس. هنا تبدو الميتافيزيقيّة كأساسٍ ينبع من مصدرٍ آخر، وعلى الإيمان أن يتحرّر منه كيما يعود ليكون ذاته. لقد تصرف كانط – في رأي المصلحين – بحسب برنامجٍ راديكالي لم يسبقه أحدٌ إليه عندما أعلن أنه توجَّبَ عليه أن يطيع الفكر ليعطي مساحةً للإيمان. بهذا لم يُرسِ الإيمان إلا على المنطق العمليّ ومنع على الإيمان دخول الواقع في كل أبعاده.

الموجة الثانية من برنامج "نزع الصبغة اليونانية" قام بها اللاهوت الليبرالي في القرنين التاسع عشر والعشرين: من أهم ممثلي هذا اللاهوت أدولف فون هارناك. لقد كان معمولاً بقوة بهذا البرنامج في اللاهوت الكاثوليكي خلال أيام دراستي وبدايات نشاطي الأكاديمي. كان يُستعمل تمييز باسكال بين إله الفلاسفة وإله إبراهيم وإسحق ويعقوب كنقطة إنطلاقٍ لهذا اللاهوت. في محاضرتي الإفتتاحية في بون، في عام 1959، حاولت أن أعرض هذا الموضوع ولا أنوي هنا أن أعيد الحديث عنه. أود فقط أن أوضح، على الأقل بشكلٍ مقتضب، ما هو الجديد الذي ميَّزَ هذه الموجة الثانية من "نزع الصبغة اليونانية" بالنسبة للأولى. إن فكر هارناك الأساسي هو العودة إلى الإنسان يسوع وإلى رسالته البسيطة التي تأتي قبل كل علم اللاهوت وقبل كل صبغة هلّينية: هذه الرسالة البسيطة تشكّل القمة الحقيقيّة لكل تطور الإنسانية الديني. يسوع قد رفض العبادة – برأي هارناك – ليعطي مكانها للأخلاق. فهو يُمثّل في النهاية أباً لرسالةٍ أخلاقيّةٍ إنسانية. كان هدف هارناك أن يخلق تناغماً بين المسيحية والأخلاق الحديثة محرّراً إياها [المسيحية] من عناصر فلسفية ولاهوتية ظاهرة، كالإيمان بلاهوت المسيح والثالوث. بهذا الإتجاه، قامت دراسات العهد الجديد التاريخية-النقدية بواسطة نظرتها الجديدة بإعطاء مكانة جديدة للاهوت في الجامعة: اللاهوت في رأي هارناك هو في الأساس أمرٌ تاريخي وإذا كان كذلك فهو أمرٌ علميّ بحت. إن ما يبحثه اللاهوت عن يسوع بواسطة النقد هو تعبير عن المنطق العملي وبالنتيجة يمكن قبوله من الجميع في الجامعة. إن ما يقوم وراء كل هذا الفكر هو "تقييد المنطق لذاته" الذي عبَّر عنه كانط في "نقده"، ليس فقط هذا بل إن تقييد المنطق لذاته قد اكتسب صفة راديكالية بواسطة العلوم الطبيعية. إن فكرة المنطق الحديثة لمؤسَّسة على خلاصة الأفلاطونية (الديكارتية) ومذهب التجريبية[2] التي غذّاها النجاح التقني.

من جهة تُفترَض مسبقاً بنية المادة الرياضيّة، أي ما يُدعى بعقلانيّتها الجوهرية، التي تسمح بإستخدامها في فاعليّتها العمليّة: هذا يفترض في الأساس العنصر الأفلاطوني في الفكرة الحديثة عن الطبيعة. من جهة أخرى يرتبط الأمر بإمكانية استعمال الطبيعة لغاياتنا الخاصة، حيث نصل إلى التأكيد الحتميّ عن طريقٍ واحدٍ ألا وهو إمكانية مراقبة الحقيقة أو الزيف عن طريق الإختبار. إن وزن وأهمية كل واحد من القطبين السابقين تتأرجح بحسب الظروف بين الأول والآخر. أحد المفكرين إيجابيي النزعة وهو ج. مونود قد أعلن أنه أفلاطونيّ مقتنع.

مما سبق نستنتج أن مسألتنا تقف أمام اتجاهين أساسيين. يمكننا الحديث عن "علميّةِ أمرٍ ما" فقط في حال التأكّد من التطابق التام بين الرياضيات والإختبار. إن ما يزعم أنه "عِلم" عليه أن يتواجه مع هذا المعيار. هكذا كانت تحاول العلوم الإنسانية، كالتأريخ، علم النفس، علم الإجتماع والفلسفة أن تتقارب من معيار العلميّة هذا. من المهم لتأملاتنا هنا أن نذكر بأن هذا المنهج يستبعد مسألة الله واصفاً إياها باللا علمية أو بأنها سابقة للعلم. لكن بهذا نجد أنفسنا أمام مسألةٍ من واجبنا أن نواجهها ألا وهي تحجيم شعاع العلم والمنطق. سأعود لاحقاً لهذا الموضوع. حالياً يكفي أن نتذكر بأن محاولة إعطاء اللاهوت الصفة العلميّة تحت ضوء ما سبق تفضي للإنتقاص من المسيحية لدرجة أنه لا يبقى منها إلا بعض الفتات. لكننا نقول أكثر من ذلك: لو كان العِلم بجملته مقيداً بهذه الحدود لنالَ الإنتقاصُ الإنسانَ نفسه. وبما أن التساؤلات الإنسانية، أعني "من أين؟" و"إلى أين؟"، أي تساؤلات الدين والأخلاق لا تجد لها مكاناً في "المنطق المشترك" الذي يتكلّم عنه "العِلم" في مفهومه السابق الذكر، تتحول هذه التساؤلات إلى حيّز الفرديّة، فيقوم الفرد ذاته على أساس خبراته بتقرير ما يبدو له ممكناً دينيّاً وفي النهاية يغدو "الضمير" الفردي حاكمَ الأخلاق الوحيد. بهذا الشكل تفقد الأخلاق والدين قدرتهما على تشكيل جماعةٍ وتقعان في مطبّ التقدير الشخصي. إنه لوضعٌ خطيرٌ بالنسبة للإنسانية، نلاحظه في العاهات التي تهدد الدين والمنطق – عاهات توجد بالضرورة عندما نقوم بتقييد المنطق لدرجة أن نبعده بشكلٍ تام عن مسألة الدين والأخلاق. إن ما يبقى من محاولات بناء نظام أخلاقي قائمة على قواعد التطور أو على علم النفس أو علم الإجتماع هي ببساطة غير كافية.

قبل أن نصل إلى نتائج بحثنا المنطقي هذا أود أيضاً أن أذكر بإقتضاب الموجة الثالثة من "نزع الصبغة اليونانية" والتي تنتشر في وقتنا هذا. في اعتبار اللقاء مع الحضارات المتعددة، قد اعتدنا اليوم على سماع من يقول بأن الخلاصة الناتجة عن لقاء الكنيسة القديمة بالحضارة الهلّينية هي أول عملية انثقاف[3] وهي لذلك لا تفرض ذاتها على جميع الحضارت. لأن من حق كل حضارة أن تعود إلى الوراء إلى ما قبل الإنثقاف مع الحضارة الهلينية لتكتشف ببساطة رسالة العهد الجديد ومن ثم تجعلها تنثقف معها في محيطها الخاص. ببساطة هذه النظرية ليست بخاطئة؛ لكنها غير مصقولة وغير دقيقة. فالعهد الجديد قد كُتب باللغة اليونانية وهو يحمل في ذاته الإحتكاك مع الروح اليوناني، إحتكاكاً كان قد تطوّرَ خلال العهد القديم. من المؤكد أن هناك بعض العناصر التي ساهمت في مسيرة تشكيل الكنيسة القديمة والتي لا يمكن أن تفرض ذاتها على الحضارات الأخرى. لكن القرارات التي تخص علاقة الإيمان ببحث المنطق الإنساني، هذه القرارات الأساسية هي جزء لا يتجزأ من الإيمان ذاته وهي بمثابة تطوّر له لا ينفصل عن طبيعته.

هنا أصل إلى الخاتمة. إن محاولتي العامة هنا لنقد المنطق الحديث بواسطة المنطق ذاته لا تعني بتاتاً أنني أقترح أن نعود إلى الوراء إلى ما قبل عصر التنوير، نابذين قناعات العصر الحديث. إننا نعترف دون تحفّظ بكل ما في نمو الروح الحديثة من صالح: جميعنا يشعر بالإمتنان لأجل الإمكانيات الكبيرة التي فتحها أمام الإنسان ولأجل التطورات التي أُعطِيت لنا في الحقل الإنساني. إن أخلاقية العِلم في النهاية هي – كما ذكرتم يا حضرة المدير – إرادة الطاعة للحقيقة وهي بالتالي تعبيرٌ عن موقفٍ يشكل جزءاً من القرارات الأساسية للروح المسيحية. ليس القصد إذاً النقد السلبي؛ بل توسيع فكرتنا عن المنطق وعن استخدامه. لأنه مع كل الفرح أمام إمكانيات الإنسان نرى أيضاً التهديدات التي تظهر من خلال هذه الإمكانيات ذاتها وعلينا إذاً أن نسأل أنفسنا عن كيفية التحكم بها. سننجح بهذا فقط عندما يعود المنطق والإيمان للتوحّد بشكلٍ جديد؛ عندما نتجاوز الحدود التي أملاها المنطق على نفسه بتقييد ذاته في حدود الإختبار ونفتح أمامه من جديد كل إمكانياته الواسعة. بهذا الإتجاه يعود اللاهوت – ليس كعلمٍ تاريخي أو من العلوم الإنسانية، بل كلاهوتٍ حقيقي، أي كتساؤلٍ عن منطقيّة الإيمان – يعود ليحتل مكانه في الجامعة وفي حوار العلوم الواسع.

بهذا الشكل فقط نكون قادرين على القيام بحوار الحضارات والأديان، حوارٌ نحن بأمسِّ الحاجة إليه. في العالم الغربي يسود الرأي القائل بأن منطق الإيجابية التجريبي[4] والأشكال الفلسفية الصادرة عنه هو منطق عالميّ. لكن الحضارات المتديّنة ترى في إقصاء الألوهة عن شمولية المنطق هجوماً ضدّ قناعاتها الأكثر حميمية. إنَّ منطقاً يقف أصمّاً أمام الألوهة ويُبقي الدين في حيّز الثقافة الدونية، هو منطقٌ عاجزٌ عن الدخول في حوار الحضارات. مع ذلك فإن المنطق الحديث الخاص بالعلوم الطبيعية، مع عنصره الأفلاطوني الجوهري، يحملُ في ذاته – كما حاولت أن أبرهن – تساؤلاً يتجاوز المنطق ذاته مع كافة إمكانياته المنهجية. على هذا المنطق أن يقبل ببساطة البُنى المنطقية للمادة والتوافق بين الروح الإنسانية والبنى المنطقية العاملة في الطبيعة كأمر مسلَّم به وعليه تُبنى عملياته المنهجية.

لكن السؤال عن سبب هذا التوافق يجب أن يُوَجَّه مِن قِبل العلوم الطبيعية إلى مستوياتٍ وأنماطٍ أخرى من التفكير – أي إلى الفلسفة واللاهوت. بالنسبة للفلسفة وبشكلٍ مختلفٍ بالنسبة للاهوت أيضاً يُضحي الإصغاء إلى خبرات الإنسانية العظمى وتقاليدها الدينية، خصوصاً للإيمان المسيحي، مصدراً للمعرفة؛ إن رفضها يعني تحجيم غير مقبول لإصغائنا وجوابنا. هنا تأتي في بالي جملة لسقراط وجّهها لفيدون، في لقاءاتهم السابقة كانوا قد أتوا على ذكر الكثير من الآراء الفلسفية الخاطئة، عندها قال سقراط: "أتفهّم مَن، بسبب الإنزعاج مِن أخطاءٍ كثيرة، يرفض بقيّة حياته كلَّ حديثٍ متعلّقٍ بالكيان ويحطّ من شأنه. لكن بهذا الشكل سيخسر حقيقة الكيان ويتحمّل ضرراً كبيراً". إن الغرب لمهدّدٌ منذ وقت طويل مِن قِبل ذلك النفور مِن تساؤلات منطقه الأساسية، وبهذا الشكل سيتحمّل ضرراً كبيراً. هذا هو البرنامج الذي بواسطته يستطيع اللاهوت أن يدخل في نقاش مع العصر الحاضر: شجاعة الإنفتاح على إتساع المنطق وعدم رفض عظمته. "إن عدم التصرف بحسب المنطق، عدم التصرف بحسب اللوغوس، هو ضد طبيعة الله"، قال مانوئيل الثاني لمحاوره الفارسي، مستنداً إلى فكرته المسيحية عن الله. إلى هذا اللوغوس العظيم، إلى إتساع المنطق ندعو محاورينا من خلال حوار الحضارات. تبقى مهمتنا نحن والمهمة الكبيرة للجامعة إيجاده دائماً من جديد.

ترجمة الموسوعة العربية المسيحية: نؤمن بإله واحد
 

 

الحواشي:
1) ما بين الأقواس المستقيمة هو من المترجم.
2) مذهب يقول بصدور المعرفة عن التجربة فقط (المترجم).
3) الإندماج في ثقافة بلد وعاداته (المترجم).
4)
 الإيجابية هي مذهب فلسفي يعود للقرن التاسع عشر، يقول بأن مصدر المعرفة هو الإختبار، لذلك فهو يرفض كل ما هو ميتافيزيقي ويريد أن يطبّق هذا الفكر على جميع نواحي الحياة البشرية (المترجم).


 

 



 

الصفحة الرئيسية