أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

    

 

رسالة إلى الأسر
 

من البابا
يوحنّا بولس الثّاني
 

في مناسبة سنة الأسرة
1994


أيتّها الأسّر العزيزة!
1-
إنّ الاحتفال بسنة الأسرة يُتيح لي الفرصة السعيدة لأقرع باب داركم أنا الرّاغب في إقرائكم التحيّة بعطف شديد، وفي التحدّث إليكم. إنّي أقوم بذلك في هذه الرّسالة، منطلقاً من العبارة الواردة في البراءة "فادي الإنسان" التي نشرتُها منذ افتتاح عهدي بخلافة بطرس. لقد كتبت إذ ذاك: "الإنسان طريق الكنيسة" (1).

بهذه العبارة أردت التّذكير، قبل كل شيء، بالطرّق المتعدّدة جداً، التي يسلكها الإنسان في مسيرته، وأردت في الوقت نفسه أن ألُفت إلى رغبة الكنيسة العميقة في أن تُرافقه في هذه المسيرة على طرق وجوده الأرضيّ. الكنيسة تشترك في الأفراح والآمال، والأحزان والضّيقات (2) التي ترافق مسيرة البشر اليوميّة، وفي صميم ذاتها اقتناعٌ بأن المسيح نفسه هو الذي أرسلها في هذه الدروب كلّها: هو الذي وكلّ الإنسان إلى الكنيسة، وهو الذي وكله بمثابة "طريقٍ" لرسالتها ومهمّتها.

الأسرة، طريق الكنيسة
2-
الأسرة، في هذه الطرق المتعدّدة، هي الأولى والأهمّ: إنها طريق عامّة، مع كونها خاصّة، ووحيدة على الإطلاق، كما أن كل إنسان وحيد؛ طريقٌ لا يستطيع الكائن البشريّ أن يحيد عنها. وهكذا فهو يأتي إلى العالم أصلاً ضمن أسرةٍ؛ ومن ثمّ يمكن القول بأنه مدينٌ لهذه الأسرة بوجوده الإنسانيّ نفسه. عندما تُفتقد الأسرة ينشأ في الشخص الآتي إلى العالم نقصٌّ مقلق وأليم، يكون ثقيلاً على حياته كلها في ما بعد. والكنيسة تحدب باهتمامٍ عطوف على الذين يعيشون في مثل هذه الحالة، لأنها تدرك إدراكاً صحيحاً الدّور الأساسيّ الذي من شأن الأسرة أن تقوم به. وهي تدرك إلى ذلك أنه من الطبيعيّ أن يترك الإنسان أسرته لكي يحقق بدوره دعوته الخاصّة في نواةٍ عيليّة جديدة. وإنّه، وإن اختار الإقامة منفرداً، تظلّ الأسرة، إذا حصّ القول، أفقه الوجوديّ، والمجموعة الأساسيّة التي تترسّخ فيها سلسلة علاقاته الاجتماعية كلّها، من أشدّها قرباًَ والتصاقاً إلى أشدّها بعداً. ألا نتحدّث عن "الأسرة البشريّة" عندما نشير إلى مجموعة البشر الذين يعيشون في العالم؟

تمتدّ جذور الأسرة إلى المحبة نفسها التي يشمل بها الخالق العالم الذي خلقه على حدّ ما ورد "في البدء" في سفر التكوين (1:1). وفي الإنجيل يؤيّد يسوع ذلك تأييداً كاملاً: "فقد أحبّ الله العالم حتى إنه بذل ابنه الوحيد" (يو 3 : 16). الابن الوحيد، الواحد الجوهر مع الآب، "الإله المولود من الله، النّور الصّادر من النّور"، بالأسرة دخل في تاريخ البشر. "إن ابن الله نفسه بالتجسّد اتّحد نوعاً ما بكل إنسان. لقد اشتغل بيدين بشريّتين، (...) وأحبّ بقلبٍ بشريّ. إنّه ولد من العذراء مريم، وصار في الحقيقة واحداً منّا، شبيهاً بنا في كل شيء ما عدا الخطيئة" (3). ولئن "جلا المسيح الإنسان على ذاته جلاءً كاملا" (4)، فقد بدأ ذلك بالأسرة التي اختار أن يولد ويترعرع فيها. ومن المعلوم أن الفادي قد لزم الخفاء في الناصرة فترةً غير يسيرة من حياته، "خاضعاً (لو 2 : 51)، في كونه "ابن الإنسان"، لمريم أمّه وليوسف النجّار. أليس "الخضوع" البنويّ هذا هو التعبير الأول عن خضوعه لأبيه "حتى الموت" (فيل 2 : 8) الذي افتدى به العالم؟

وهكذا فلسرّ تجسّد الكلمة الإلهي علاقة وثيقة بالأسرة البشريّة. ولم تكن تلك العلاقة بأسرة واحدة فقط، أسرة الناصرة، بل بكل أسرةٍ على وجهٍ ما، وذلك تمشّياً وما قال المجمع الفاتيكاني الثاني في شأن ابن الله الذي "بالتجسّد اتحّد نوعاً ما بكل إنسان" (5). وعلى مثال المسيح الذي "أتى" إلى العالم "ليخدُم" (متى 20 : 28) ترى الكنيسة أن خدمة العيلة هي من مهمّاتها الجوهرّية. وبهذا المعنى تقوم "طريق الكنيسة" على الإنسان والأسرة معاً.

 الحواشي:
1)
أنظر الرسالة العامة "فادي الإنسان" (4 آذار 1979)، الرقم 14: في مجلة "أعمال الكرسي الرسولي" AAS 71 (1979), pp. 284- 285).
2)
أنظر وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور الراعويّ: الكنيسة في عالم اليوم (الفرح والرجاء)، الرقم 1.
3) المرجع نفسه، الرقم 22.
4) المرجع نفسه.
5) المرجع نفسه.

 

 



 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي