أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة  اللاتينية | الإنكليزية | الإيطالية | الإسبانية

        

الذكرى الثمانون

Octogesima adveniens

رسـّالة
قداسة البابا بولسْ السَّادس
لمناسبة
الذكرى الثمانين
لرسالة البابا لاوُن الثالث عشر العـامة
"الشؤون الحديثة"

مقدمة

منذ أواخر القرن التاسع عشر، نشطت الكنيسة كثيراً في مجالات المعضلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أخذ يعانيها الإنسان بعد أن انطلق، بسرعة خاطفة، في ثورة صناعية وتقنية تناولت أوضاع حياته في شتى أبعادها، الفردية والعيلية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدولية.
في وسط التيارات الفكرية والانقلابات الجذرية التي عرفها التاريخ المعاصر، ومنها الثوري العنيف الدامي، والدكتاتوري الكلي، والتطوري، والمحافظ حرصت الكنيسة على التركيز على الإنسان في قيمته الشخصية، ودعوته الإلهية، ومصيره الذي يتجاوز أبعاد الأرض.
أما الفلسفة التي اعتمدتها، فتلك التي حملها الإنجيل إلى العالم بشرى خلاص وتحرّر، ومحبة وعدالة ومساواة وأخوّة تلفّ البشر جميعاً أبناء الله. هذه المعطيات والمفاهيم عكفت الكنيسة على أن تسبر أغوارها أعمق فأعمق، وتتبّين ما تقتضيه من ثورة في النفس والضمير، وتنظر إلى الأوضاع الإنسانية في ضوئها، فتتناولها تحليلاً وتوجيهاً. مما كوّن التراث اللاهوتي الذي لدينا اليوم في مجالات المشكلات التي يعالجها الإنسان.
وقد تكاثف هذا التراث واتسّع، عبر السنين، حتى ألمّ بالقضايا المطروحة اليوم على الضمير الإنساني كلها، والباباوات في طليعة من أسهم في هذا التراث، قولاً وكتابة وتوجيهاً وتقويماً. ولم يكتف أحبار روما بالصعيد الفكري، فاتخذوا مواقف عملية في شتى الأزمات، في جرأة وفعالية تركزّتا على ما يعونه من مسؤولية راعوية عليا بحكم منصبهم، وعلى تجرّدهم عن أي مصلحة ذاتية دنيوية، والنفوذ المعنوي العالمي الذي لمركزهم وشخصيتهم الروحية والإنسانية. ولا يزال عالم العرب يتحدث، في عميق قدر وعرفان جميل، عن مواقف الكرسي الرسولي حيال معضلة فلسطين. ودنيا اليهود، الذي يأخذ صهاينتهم على قداسة البابا مواقفه في قضية الإنسان العربي في فلسطين، قد أفادت قبل العرب من جرأة البابا بيوس الحادي عشر يوم قام يشهّر الفلسفة العنصرية النازية وسياسة الظلم الهتلري.
لقد مضى ثمانون سنة (15 أيار سنة 1891) على ظهور رسالة البابا لاون الثالث عشر العامة في شؤون العمّال.
هذه الذكرى الثمانون هي النقطة التي ينطلق منها قداسة البابا بولس السادس في الرسالة التي ننشرها اليوم في العالم العربي. وقد سبقه أسلافه بيوس الحادي عشر وبيوس الثاني عشر ويوحنا الثالث والعشرون فأحيوا، هم أيضاً، الذكرى الأربعين والخمسين والسبعين لهذه الرسالة الخالدة التي كانت أول من أرسى المبادئ الأساسية للعمل الاجتماعي في ضوء المسيحية. وقد حرص الباباوات على أن ينتهزوا فرصة كل ذكرى ليعرضوا التطورات الحديثة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويقدموا ما يرون من حلول انطلاقاً من الأوضاع والمعطيات الجديدة.
وفي الذكرى السبعين أصدر البابا يوحنا الثالث والعشرون رسالته العامة "الكنيسة أمّ الشعوب ومربيّتها" (15 أيار سنة 1961)، وقدم فيها لرسالة لاون الثالث عشر بما يلي، بعد أن قال "أنها فتحت أمام عمل الكنيسة طريقاً جديداً"، "وأنّا لنجدها حتى في أنظمة الشعوب"، مشيراً بذلك إلى المادة 427 من معاهدة فرساي سنة 1919 التي كرّست دولياً ما نادى به لاون الثالث عشر، وقد استوحتها الدساتير القومية في شتى الدول وأقرّتها شرعة حقوق الإنسان:
"تكلم لاون الثالث عشر في عصر انقلابات جذرية، ومناقضات صارخة وثورات عنيفة ... من المعلوم أن النظرة إلى العالم الاقتصادي الأكثر شيوعاً آنذاك، والأكثر تجلياً للواقع، هي النظرة الطبيعية التي تنكر وجود أي صلة بين العالم الأدبي والعالم الاقتصادي، وترى في المصلحة الفردية الدافع الوحيد للعمل الاقتصادي، وفي المنافسة الحرة اللامحدودة الناموس الأسمى الذي ينظّم العلاقات بين العوامل الاقتصادية. وهذا يعني أن فائدة رأس المال وثمن السلع والخدمات والكسب وأجرة العمل، كل هذا تحدّده حصراًَ وآلياً نواميس السوق؛ وبالتالي، فلا تدخّل للدولة في ميدان الاقتصاد. أما النقابات، فأوضاعها تختلف باختلاف البلاد، فهي ممنوعة في هذه، أو مرّخص لها في تلك، أو تتمتع بالشخصية المعنوية، ولكن على صعيد الحق الخاص، في سواها.
في عالم اقتصادي يقوم على هذه النظرة، نرى ناموس الأقوى في ملء سيطرته على الصعيد النظري كما على صعيد العلاقات الراهنة بين الأفراد أيضاً، مما ينشئ نظاماً اجتماعياً معكوساً جذرياً.
وفيما نرى خيرات طائلة تتكدّس بين أيدي البعض، نرى الجموع العاملة تعاني أوضاع ضائقة تتزايد مع الزمن: فأجور غير كافية أو "أجور مجاعة"، وشروط عمل مرهقة لا عبرة فيها للصحة الجسدية ولا للأخلاق ولا للحياة الدينية. وهناك خصوصاً لا إنسانية الأوضاع التي كانت تفرض على النساء والأولاد في عملهم؛ فضلا عن شبح البطالة المخيف المنتصب دوماً في الآفاق؛ ومقومات الأسرة في تيار تفكك مريع.
ونتيجة لهذا كله تفشّى في الطبقات العاملة استياء بالغ، وأخذ روح الاحتجاج والثورة يبرز ويتضخم في ما بينها، مما يجعلنا نفهم تهافت هذه الطبقات على نظريات اجتماعية متطرفة تصف علاجات أكثر شراً من الأدواء نفسها.
في غمرة هذه الفوضى أعطي لاون الثالث عشر أن ينشر رسالته الاجتماعية مرتكزة على طبيعة الإنسان، ومشبعة من مبادئ الإنجيل وروحه...
إنها لمعرفة تلك المبادئ الأساسية التي عرضها الحبر الخالد الذكر في وضوح وسلطان، والتي يجب أن يعاد على ضوئها تنظيم الناحية الاقتصادية والاجتماعية في حياة المجتمع البشري.
هذه المبادئ، موضوعها أولاً العمل الذي يجب أن ينظر إليه ليس كإلى سلعة، بل إلى تعبير عن الشخصية الإنسانية. والعمل هو مورد الرزق الأوحد للأكثرية الساحقة من الناس. وبالتالي، فأجرة العمل لا يمكن أن يترك أمر تقديرها للتفاعل التلقائي بين نواميس السوق، وإنما لا بدّ، على العكس من ذلك، من أن تقرّر بحسب نواميس العدل والأنصاف، وإلا امتهنت حرمتهما، حتى ولو كان عقد العمل قد انبثق، كامل الحرية، من إرادة الفرقاء.
كذلك الملكية الفردية – حتى تلك التي تتناول وسائل الانتاج – فإنها حق طبيعي ليس للدولة أن تقضي عليه. ولهذه الملكية، في كيانها الذاتي، وظيفة اجتماعية؛ فهي، إذن، حق يمارسه صاحبه لمصلحته الشخصية ومنفعة الغير.
والدولة التي إنما غاية وجودها تحقيق المصلحة العامة على الصعيد الزمنين لا يمكنها أن تتجاهل عالم الاقتصاد. فواجبها أن توجد فيه للعمل بالطرق الملائمة على انتاج الكمية الكافية من الخيرات المادية التي يشكل استعمالها ضرورة للتمرّس بالفضيلة، وللدفاع عن حقوق المواطنين جميعاً، ولاسيما الضعفاء منهم، كالعمال والنساء والأولاد. كما أن من واجبها، وهو واجب لا هوادة فيه، الاسهام الإيجابي النشيط لتحسين أوضاع العمال المعاشية.
وعلاوة على ذلك، فواجب الدولة أن تسهر على تطوّر علاقات العمل وفاقاً لمقتضيات العدل والانصاف، وعلى أن تصان كرامة الشخصية الإنسانية، نفساً وجسداً، في أوساط العمّال. وفي هذا المجال رسمت رسالة لاون الثالث عشر الخطوط التي استوحتها التشريعات الاجتماعية في دول العالم. وهي نقاط أسهمت فعلاً في قيام وتطور فرع جديد في القانون، هو قانون العمل...
أما العمّال فتقّر الرسالة حقّهم الطبيعي في إقامة اتحادات، لهم وحدهم أو مشتركة بينهم وبين أرباب العمل. ثم حقهم في إعطاء هذه الاتحادات الشكل العضوي الذي يرونه اكثر فعالية في بلوغهم مصلحتهم الاقتصادية والمهنية، ثم حقهم في العمل المستقل التلقائي، ضمن هذه الاتحادات، لبلوغ هذه المصلحة.
أخيراً، على العّمال وأرباب العمل أن يستهلوا في علاقاتهم مبدأ التضامن الإنساني والأخوّة المسيحية. لأن المنافسة، بالمعنى الذي لها في الاقتصاد الحر، وكذلك الصراع الطبقي بالمعنى الماركسي، كلاهما يضّادان الطبيعة ويتنافيان والنظرة المسيحية إلى الحياة".
وينهي يوحنا الثالث والعشرون كلامه في رسالة لاون الثالث عشر بقوله: "ولذلك، فالرسالة، كانت ولا تزال، تدعى بحق "الشرعة الكبرى" للأعمار الاقتصادي والاجتماعي في عالم اليوم".
وينتقل يوحنا الثالث والعشرون إلى ما جاء به بيوس الحادي عشر في الذكرى الأربعين لهذه الرسالة (15 أيار سنة 1931): التشديد على الوظيفة الاجتماعية التي للملكية الفردية؛ عقد العمل من حيث عدالته وتعديله بعناصر تتخّذ من عقد الشراكة واعتبار الناحيتين الفردية والاجتماعية فيه أي حاجات العمّال وما تستلزمه مسؤولياتهم العيلية وأوضاع المؤسسة حيث يعملون ومقتضيات الاقتصاد العام؛ التضاد الجذري بين الشيوعية والمسيحية؛ ظاهرة تكديس الثروات وحصر طاقة اقتصادية هائلة في أيدي بعض أفراد ليسوا عادة بمالكي الرساميل، بل هم محض مستودع لها ومدراء يتصرفون بها كيفا شاؤوا؛ الدكتاتورية الاقتصادية وسيطرة المال على الصعيد الدولي وهي الحصيلة المنطقية للمنافسة الحرة اللامحدودة؛ دمج العالم الاقتصادي في النظام الأخلاقي؛ التنظيم النقابي؛ واجب السلطة المكّلفة السعي إلى المصلحة العامة؛ التعاون الاقتصادي على الصعيد العالمي؛ التركيز على مفاهيم العدل والمحبة والصالح العام.
ويذكّر يوحنا الثالث والعشرون برسالة بيوس الثاني عشر في أول حزيران سنة 1941، في الذكرى الخمسين لرسالة لاون الثالث عشر، وقد سلّطت الأضواء على حق كل إنسان في أن يعيش على مستوى كرامته الإنسانية، و هو حق أوّلي بالنسبة إلى أي حق اقتصادي آخر، حتى بالنسبة إلى حق الملكية نفسه؛ وعلى العمل بوصفه حقاً وواجباً لأي إنسان؛ وعلى الأسرة من حيث ما تقتضيه حريتها الصحيحة والاضطلاع بواجباتها من حقوق، بما في ذلك حق الهجرة.
ويجيء دور يوحنا الثالث والعشرين بالذات، فيقسم رسالته إلى أربعة أقسام. ففي القسم الأول يلخص ما جاء في رسالة لاون الثالث عشر وامتداداتها في بيوس الحادي عشر؛ وفي القسم الثاني يعكف على توضيح هذه المعطيات في ضوء التطورات الحديثة، فيتكلم في الجماعة المعاصرة وأجرة العمل من حيث العدل والانصاف والتوازن بين التطور الاقتصادي والتطور الاجتماعي؛ وفي مقتضيات العدل وكرامة الإنسان في الأنظمة، وفي المؤسسات المتوسطة والكبرى والحرفية وتعاونيات الانتاج؛ وفي الملكية الفردية واتجاه إنسان اليوم صوب الضمان الاجتماعي والمقدرة المهنية للحصول على الطمأنينة التي كان بالأمس يركّزها على ما يملك. وفي القسم الثالث يعرض الوجوه الجديدة للمعضلة الاجتماعية ويلُّم بموضوع تخلّف القطاع الزراعي والعمل على تنمية هذا القطاع من جميع جنباته؛ ويسهب في شرح مقتضيات العدل والمحبة في العلاقات بين البلدان المتفاوتة التنمية، ويدعو إلى تعاون الأسرة البشرية جمعاء في وعي لتضامنها، إذ أن لكل معضلة إنسانية ذات شأن مدى عالمياً، ويتطرّق لنقطة زيادة السكان والتنمية الاقتصادية. وفي القسم الرابع، يتناول ضرورة توثيق روابط حياة مشتركة، في الحق والعدل والمحبة.
ويعود يوحنا الثالث والعشرون في رسالته الصادرة في 11 نيسان سنة 1963 بموضوع السلام، إلى بعض هذه النواحي في ضوء ارتباط السلام بها.
ويكرّس بولس السادس رسالته في تنمية الشعوب (26 آذار سنة 1967) لمعضلة التخلّف التي تعانيها البشرية في ثلثي أبنائها، وتهديد هذا الواقع للسلام؛ وبالتالي، فالسلام في عالم اليوم يبنى بالعمل المتضامن على تنمية اقتصادية واجتماعية تلّف الأسرة البشرية جمعاء.
وفي الرسالة التي نحن بصددها اليوم، وقد صدرت في 14 أيار سنة 1971 في الذكرى الثمانين لرسالة لاون الثالث عشر، يعرض بولس السادس المعضلات الاجتماعية الجديدة، ومنها خصوصاً ظاهرة تضخّم المدن ومضاعفاتها على الصعيد الإنساني، وتطوّر وسائل الإعلام ودورها الخطير في عالم اليوم، سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي؛ ويحلّل النزعات الإنسانية والتيارات الفكرية المعاصرة في ضوء الإنسان من حيث كيانه ومصيره الكلّي؛ ويحدّد موقف الضمير المسيحي حيال هذه التطورات، ويدعو إلى العمل السريع في محبة شاملة وتضامن مع جميع ذوي الإرادات الحسنة، في نطاق الاحترام المتبادل.
من خلال هذا العرض للفكر المسيحي الاجتماعي، نتبّين مدى تعامي البعض عندما يتهمون الكنيسة بالاكتفاء، بالنسبة إلى المعضلة الاجتماعية، بدعوة الفقراء إلى الصبر، والأغنياء إلى السخاء، كما نتبيّن واجبنا الضميري، النابع من أمانتنا للإنجيل، أن نكون في قلب عالمنا العربي، الشهادة الجريئة للحق والعدل والمحبة، واليد التي تسعى، مع جميع ذوي الإرادات الحسنة، إلى بناء مجتمع أفضل.
 

 



 

الصفحة الرئيسية

إلى الرسالة