ليترجيا

 

               


الصفحة الرئيسية

                   
         

ما هو الطقس المقدس؟

 
           
   

 
  نواجه اليوم عدة ردّات فعل أمام ممارسة الطقوس الدينية. فبينما هناك فئة تهزأ  من الطقوس على أنها مجرَّد عادات قديمة قد لا تعني شيئاً لإنسان القرن الحادي والعشرين، نجد آخرين مهتمّين بممارسة طقوس معيّنة، مدَّعين أنها تساعد الإنسان على معرفةِ ذاتهِ والتأمل من أجل الوصول إلى الحقيقة...  مثل التأمل التجاوزي، اليوغا، وكل ما يتعلّق بحركة الجيل الجديد
(New age).

  قبل أن نتحدَّث عن الطقوس وأهميّتها في الحياة الدينية، نود أن نشير إلى حضورها في الحياة اليومية ودورها الأساسي في حياة الإنسان: كما أن الإنسان هو كائن اجتماعي هو أيضاً "كائن طقسيّ". لنذكر مثلاً الطريقة التي نتبعها للإحتفال بعيد ميلاد صديق، الاجتماع في مكان محدد لائق ومزيَّن بشكل يُعبِّر عن الفرح، قالب الحلوى، الأغاني التقليدية، العناق وتبادل التهاني ... كل هذه الأمور تدخل في نطاق "طقسيّة الكائن البشري".

  من صفات الطقوس في حياة الإنسان أنها مجانيّة، أي أنها ليس من ضروريّات الحياة، لكن مع ذلك وبشكل غريب تُُضفي على الحياة معنى أسمى، وبدونها يبدو وكأن الإنسان لا يستطيع التعبير عن ذاتهِ!.

  ما هو صحيح على الصعيد الاجتماعي هو صحيح أيضاً على الصعيد الدينيّ. فمن الخطأ التفكير بأنه من الممكن أن توجد ديانة مجرَّدة من الطقوس، وقائمة بشكل كامل على التقوى الشخصية الداخلية. كل ديانة هي بحاجة إلى وسائل للتعبير عن إيمانها وهذا التعبير يتواجد بشكل رئيسي في طريقة الصلاة الجماعية التي تحييها جوقة المؤمنين.

  لنحاول الآن أن نفهم ما معنى كلمة طقوس:

  على الصعيد الأنثروبولوجي (علم الإنسان)، تشير كلمة "طقوس" إلى جميع الممارسات الجماعية أو الفردية منها والتي تتسم بـ:
ـ
تقليد معيَّن، وتُنسَج على منوال ممارسة سابقة وبهذا تعبِّر عن كيان الإنسان من حيثُ أنهُ كائن اجتماعي، ينتمي إلى حضارة معيّنة ويتصرَّف بحسب عادات متعارف عليها (لنذكر التحية في مختلف الحضارات: التصافح باليد، الإنحناء أمام الآخر، وأشكال أخرى تختلف بإختلاف الحضارة).
ـ
المجانية (كما سبق وذكرنا) أو بكلمة أخرى "عدم النفعيَّة". لأن الإنسان يتسم بأنهُ يُمارس عدة أمور لا تدخل في نطاق النفعيّة بل المجّانية (عندما تقوم امرأة بتحضير طبق حلوى، لا تهتم فقط بالطعم بل بالشكل أيضاً، هذا يدخل في نطاق المجانية أو عدم النفعيّة)؛ مع العلم أنه ليست كل الطقوس متّسمة بالمجانية (على سبيل المثال الطقوس الوثنية التي تُقام لأجل استدعاء الخصب والأمطار).
ـ
الارتباط باعتقادات معيَّنة، الابتعاد عن المنطق الحسّي للأمور والدخول في حدود ما فوق الطبيعة.

  الطقس المسيحي:
 
الطقس المقدس في المفهوم المسيحي هو رمز يُشير إلى حقيقة معينة ويُحققها. لنأخذ مثالاً على ذلك: البذرة هي رمزٌ للشجرة، لكنها لا تشير إلى حقيقة الشجرة فحسب بل تحققها، أي تحوي في ذاتها حقيقة الشجرة. مثال آخر : الجنين في الرحم هو رمز للإنسان الناضج، ولكنهُ رمزٌ يحملُ في ذاتهِ حقيقة الإنسان فهو إذاً "يحقق" ما يشير إليهِ.

  لفهم هذا الموضوع بشكل واضح نورد بعض الأمثلة عن علامات لا تحوي في ذاتها الحقيقة التي تشير إليها. إشارة المرور مثلاً، تشير إلى حقيقة معيّنة (ممنوع الوقوف، ممر مشاة، طريق خطر...إلخ) ولكنها لا تحمل في ذاتها الحقيقة التي تشير إليها، بل هي مجرد رمز من إبداع الإنسان الذي يتفق مع نظيره على معناه المحدد (على سبيل المثال لو كان الإنسان قد قرر أن الضوء الأحمر في إشارات المرور يعني السير والأخضر الوقوف، لما كانت هناك مشكلة، لأن اللون في حدِّ ذاته لا يحمل حقيقة معيّنة بل هو مجرّد رمز يُتَّفق عليهِ لا أكثر!). 

  الطقس المسيحي إذاً ليسَ علامةً على شاكلةِ إشارة المرور، بل هو رمزٌ  يحمل في ذاتهِ الحقيقة التي يشير إليها، ويُحققها. فمع أنهُ مؤلَّف من إشارات، كلمات ولغة رمزيّة، يجب علينا ألا نفهمهُ على أنّه مجرد وسيلة تشبع حاجة الإنسان إلى استعمال اللغة الرمزية والإشارات كي يعبر عن حقيقة معينة (تفسير أنثروبولوجي). بل علينا أن ندرك بأن الطقس المسيحي هو رمز يُشير إلى علاقتنا بالمسيح ويحققها وكما أن الرب يسوع ذاتهُ قد حقق عملاً إلهياً (خلاص الإنسان) بواسطة طبيعتهِ الإنسانية المتحدة بكلمة الله، بنفس الطريقة الطقس الليتورجي المسيحيّ يُأُوِّن (يجعل حاضراً) بواسطة طبيعتهِ الماديّة عمل المسيح الخلاصي(تفسير لاهوتي). لهذا فالطقس المقدس هو "يد الرب يسوع" الممدودة إلى الكنيسة "هنا و الآن"، كيما نستطيع أن "نلمس" إنسانيَّتهُ التي حقق بواسطتها خلاصنا.

  عندما نشترك في صلاة الكنيسة الطقسية علينا أن ندخل في منطق هذه الصلاة التي تجمع الكنيسة من مشرق الشمس إلى مغربها، وندرك قيمة النعمة المعطاة لنا من خلالها أي الخلاص الإلهي الذي يصبح بقوة صلاة الكنيسة حاضراً لنا اليوم والآن، بحسب وعد الرب يسوع: "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون هناك في وسطهم" مت 18/ 19.
 

   
   
   
   
   
   
   
   
   
 
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة الرئيسية