ليترجيا

 

 
  الليتورجيّا والأنتروبولوجيا

إن كلمة أنتروبولوجيا هي كلمة مركبّة من كلميتين يونانيتين:
أنتربوس ومعناها الإنسان.
ولوغوس ومعناها دراسة أو علم.
إذاً، كلمة أنتروبولوجيا تعني دراسة الإنسان. وعلم الأنتروبولوجيا يأخذ موضوعه بطريقة كلّية شاملة، أي في إطار الزمان والمكان والوجود، وهو لا يقبل بتجزئة الإنسان أو تقليصه إلى بُعْد واحد للدرس بل إنّ الإنسان هو موضوع علم الأنتروبولوجيا.

وينقسم علم الأنتروبولوجيا إلى عدة أقسام فهناك:
الأنتروبولوجيا الطبيعية، والأنتروبولوجيا الثقافية، والأنتروبولوجيا الاجتماعية، والأنتروبولوجيا الدينية، والسياسية، والاقتصادية، وسواها...

إنّ كلمة ليتورجيّا تعني خدمة الشعب وهي كلمة يونانيّة مؤلّفة من كلمتين يونانيّتين هما ليتون وتعني العامّة  والشعب، وكلمة إرغُن وتعني خدمة. إذاً، إنّ كلمة ليتورجيّا هي في معناها الاشتقاقي خدمة عامّة، عمل للمصلحة العامّة.
إذن، الليتورجيّا هي خدمة الشعب، وصلاة الشعب، وعمل الشعب ضمن مكان معيّن ولغاية معيّنة ولزمان معيّن. ثم تطور هذا المعنى، فأصبحت كلمة الليتورجيّا تعني الخدمة الدينية أو الطقوسيّة المقدّمة لله بواسطة جماعة أو جمهور مجتمع باسمه وعلى اسمه.

والعلاقة بين الأنتروبولوجيا والليتورجيا هي علاقة جوهريّة وغير ممكن الفصل بينهما. فحياتنا ليتورجيّا دائمة: أي طقوسيّة شعبيّة يتجلّى فيها وقع الزمن والأحداث وحضور الأشخاص والمعتقدات.

"الطقس أو الليتورجيّا هو التعبير الحضاري والثقافي عن إيمان جماعة ما، في زمن ما، ولحدث ما. فمن الخطأ المزج بين انتمائنا الحضاري والثقافي التراثيّ المحدود وبين إيماننا بالكنيسة الواحدة، الجامعة، المقدّسة، الرسوليّة، الكاثوليكيّة والأورثوذكسيّة.
الليتورجيا حياة الكنيسة في جماعتها المصلّية والمتذكرة حياة وموت وقيامة الربّ يسوع، واختبار الجماعة المؤمنة بارتباطها الجغرافي والثقافي والتاريخي.
إذن، العلاقة بين الليتورجيّا والأنتروبولوجيا تظهر في طقس الكنيسة وفي رتبها...

والطقس هو الفعل الواقعي المعبّر عن معتقدات وعقائد وإيمان الجماعة، هو الضابط والشارح والعاطي الدلالة والمعنى المنطقي لتصرّفات الجماعة. فهو اللغة القويّة الظاهرة لأبعاد خفيّة وغير ظاهرة في جماعة ما.

وإنّ لجميع الشعوب طقوسَها ورتبها واحتفالاتها وخادمي مراسيمها وليتورجيتها. وهذه الكثرة من الطقوس اللامتناهية هي طرق متمايزة لتعبير الناس عن معتقداتها، كلٌّ حسب وسطه الجغرافي والاجتماعي والثقافي. لكنّ سرّ الطقس المسيحي يفترق كليّاً عن سواه من الطقوس بطبيعته وبمعناه ومحتواه وحقيقته وفعاليته. إنّه شخص المسيح الخفي القائم المتجدّد فينا والمحوّل ذواتنا وأجسادنا بقوّة الروح القدس. فليس هو مماثلة أو مشابهة أو استذكار. إنّه حقيقة واقعيّة تدخل في الآن الزمني وفي بُعْدِ المسافة.

فإنّ العلاقة مع المسيح تُعطي كياننا كياناً آخر، وهي ليست فقط تُعطي معنى، بل هي تكثيف وجود. أيّ إنّ هناك كائناً جديداً قد حلّ. فالمسيح بشخصه وحضوره، يُعطي اختبارنا بُعداً روحياً به نتحرَّر، نتّحد بالله ونصير أبناء لله. أي إنّ كياننا يتألّه.
الطقوس، لا يُدرك سرّها ومعناها ورموزها وغناها إلاّ مَن يعيشها ويؤمن بها وبفعاليّتها الحقيقيّة.

وهناك نشاطات تُنفَّذ وتمارَس من قبل هيئات ضخمة من الكهنة في المعابد وهي تؤسّس نظاماً من الأفعال يؤدّي بطريقة ثابتة وفي أوقات منتظمة من قبل أشخاص مخوّلين يمتلكون المعرفة المتخصّصة بالطريقة المثلى لأداء الأفعال. وهناك تصميم نسق محكم من الأفعال Typicon يتضمن بأكمله رفاهَ الجماعة عن طريق ضبط القوى التي لا حصر لها. هذه القوى التي وَجد الإنسانُ نفسَه محاطاً بها تُؤسِّس نظاماً مرافقاً للأفعال هو الكلمات المحكية، التراتيل والتي كانت فعاليتها السحريّة جزءاً جوهرياً لنا.

فالطقس يتألّف من قسمين: الجزء الذي كان يؤدّى والذي أسماه الإغريق Dromenon والجزء المحكي وقد أسمَوه Muthos. فلكلّ طقس بُعْد كلامي إخباري محكي أسطوري يسرد قصّة يجري تمثيلها. لم تكن غايةُ القصّة الترويحَ عن المشاهدين. بل هي الحقيقة وتُطبّق فيها أعمال، وتجري رتب وحركات تلازم هذه الكلمات السحرية المتكرّرة التي تنطوي على قوّة تجسّد الموقف الذي تصفه أو تعيد خلقه. التلاوة والحركات تفعل شيئاً ما؛ هي تجسّد التغيير.

والإنسان المؤمن يجد كلّ معنى حياته في هذه الطقوس التي يرتعش لها قلبه ويمتلئ شعورهُ بالسعادة والفرح عند إتمامها. ولو أنّه، أحياناً لا يدرك معانيها.

فواقع الطقس، هو واقع كياني وعالمي في آن. فالإنسان كائن ليتورجي في كيانه. والمجتمع كذلك هو كيان طقوسي في ممارساته وانشغالاته.

والطقس يستند إلى قانون المشاركة وقانونَي التجاور Contiguité والمشابهة Similarité. والطقس يتميّز بترداده وإعادته كما هو، إلى حدود الرتابة أحياناً. التكرار هو العنصر الأساسي الذي يكوّن جوهَر الطقس. وهو مكرَّر حسب Typicon ضمن قوانين لا تتغيّر. ولتطبيق هذه الطقوس فعاليّةٌ حقيقية وليس فقط آلية ميكانيكية فارغة.

للطقس بُعْدٌ جماعيّ حتماً. لكن مَن له السلطة والسلطان للقيام به هو خادم ومحتفل أُعطيت له القوّة وله الحقّ ليقوم به باسم آخر.
هذا الآخَر، هنا، هو الجماعة أو الكنيسة أو الحزب أو القبيلة أو العشيرة أو المنظّمة أو الفريق. من هنا قوّة الدلالة والرمزية وفعاليتهما الحقيقية الواقعية.
الدلالة، ببعدها الأنتروبولوجي، هي دائماً فاعلة بما تدّل عليه.

وللطقس بُعْدٌ مرجعي تذكاري وتذكيري وانتظاري. وخاصّة في الطقوس المسيحية. إنّها تستند إلى حدث مرجعي هام. هذه المرجعية المستمرّة لقصّة الخلاص والفداء هي العنصر الأساسي الذي يميّز هذه الطقوس المرتكزة على تذكار دائم لعمل الرب الخلاصي: "نذكر موتك وقيامتك وننتظر مجيئك الثاني". إنّ هذه العودة والمرجعية ليست تذكارية حنينية غارقة في ذاكرة الماضي، بل هي تأوين خلاصي actualisé، أي إنّها تجعل الخلاص حالياً وواقعياً وليس فعلاً رمزياً آلياً سحرياً فقط.

تذكارات الأحداث السابقة ليست ذاكرة تاريخية بل حدث معيوش في اللحظة القائمة التي يتمّ فيها الطقس وتقام بها الرتب والشعائر والقرابين والذبائح: من الوعد إلى التجسّد، إلى الفداء، إلى القيامة، إلى الصعود، إلى نهاية الأزمنة حدث واحد متماسك متواصل.

هذه المرجعية هي، بالحقيقة بالرغم من أوننتها، معاديّة نهيوية. هي مثال الحدث في نهاية الأزمنة وبدايتها في آنٍ. إننا نجد أنّ الزمن الطقسي المسيحي (أو ما يُسمى بالسنة الطقسية) مشدود إلى اتجاهين متكاملين: واحد نحو الماضي، استذكاري مثالي مرجعي؛ وواحد نحو ميناء المستقبل، انتظاري باروسيزي Parousie، ظهوري، اسكاتولوجي، نهيوي، مرتكز على حياة وموت وقيامة وظهور الرب يسوع.

لذلك، يصعب علينا حقّاً خلق فواصل في هذه الليتورجيّا المسيحانية، وهذا ما يميّزها عن سواها، فهي في الوقت ذاته وليمة تذكارية Commémorative وطقس تأويني actualisation واحتفال استباق anticipation للأزمنة المعادِيّة التي أخذت تتحقّق.

وهناك ارتباط بين علم الاجتماع وعلم الأنتروبولوجيا، وعلم التيولوجيا وعلم الليتورجيا. لأنّ الحقيقة الدينية تمتاز بأنّها حقيقة اجتماعية وجمعية معاً. الدين لا تتمّ طقوسه إلاّ في الجماعة التي منها يستمدّ ما يقول عنه مارسل موس "مجتمعه السحري". لذلك فإنّ الشعور الديني هو، في ذاته، شعور جمعي، طقوسي، له قواعده وأنماطه ورتبه وأزمنته ومساحته واحتفالاته وأعياده وخدّامه، وليس هو فقط شعور فردي وممارسة منفردة، خاصّة. الحقيقة الدينية هي حقيقة جمعية، أي إنّها تتميزّ بالضرورة والعموم والطقوسيّة. هذه الظواهر الدينية تنقسم، عند دوركيم، إلى قسمَين أساسيين هما المعتقدات Les Croyances والطقوس Les Rites ويحدّد الطقوس بمايلي: إنّها نماذج الأفعال وأشكال السلوك التي ينبغي أن يمارسها الإنسان حيال تلك الأشياء المقدّسة. هي نوع ونماذج من تقديم القرابين والذبائح والصلوات والرتب.

أمّا المعتقدات، فهي التي تقسم الأشياء والعوالم إلى ما هو مُقدَّس وما هو غير مُقدّس Sacré et profane المحلّل والمحروم، الممنوع والمسموح.

من هنا أمكنه القول إنّ التصوّرات الدينية هي تصوّرات جمعية تعبّر عن حقائق جمعية. أمّا الطقوس، فهي أساليب للعمل وهي لا تنشأ إلاّ في أحضان الجماعات المجتمعة. والمقصود منها إشارة أو استبقاء أو بناء حالات عقلية معينّة خاصّة لتلك الجماعات.

والطقس كالهيكل العظمي في جسم الإنسان. إنّه العنصر الأكثر صلابة في جسد الجماعة وهو الجسم الذي يبقى عائشاً لمدّة طويلة حتى بعد زوال مبرّراته، ولو تحوّل إلى نوع من اللعب.

فكلّ طقس فقد معناه الحقيقي تحوّل إلى لعبة، وكلّ طقس لا يستند إلى بُعْدٍ عقائدي إيماني تحوّل إلى عمل آلي ميكانيكي فارغ أو شعوذه.
لذلك، فإنّ للطقس ارتباطاً بما فوق الطبيعة. أمّا التقنيات والعادات، فلها ارتباط بالطبيعة. ومن هنا ينبع الارتباط ما بين الأنتروبولوجيا والليتورجيا في قلب الإنسان والجماعة. لأنّ الإنسان باحتكاك دائم بالمحلَّل والمحرَّم، بالظاهر والدنس، فيتِمَّ عليها لذلك طقوساً إمّا سلبية وإمّا إيجابية، حماية له واطمئناناً لنفسه.

 


الصفحة الرئيسية

   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة الرئيسية