ليترجيا

 

 
 
الليتورجيا والكتاب المقدّس

نجد المنطلق المناسب في حدث "حلول الروح القدس"، يوم العنصرة، الواقع في اليوم الخمسين بعد الفصح، عندما حل الروح القدس على تلاميذ يسوع، فحملوا البشارة في جميع اللغات إلى كلّ الشعوب.

من ثمّ، راحت الكنيسة تتكوّن بالروح وكلمة البشارة: راحت تتكوّن بقبول الكلمة التي يبعثها الروح، أي بالإيمان بسرّ المسيح الفادي؛ وهذا هو مضمون كلمة البشارة، أو البشارة الرسوليّة؛ والليتورجيا، راحت تعبّر عن إيمانها هذا، بها تُبنى ومنها تحيا، فإذاً ليتورجيّا الكنيسة كلمة حيّة وروح مُحيٍ.

من هذا المنطلق، نجدنا أمام مثلّث، أو أمام ثنائيين: الروح والكلمة، الكنيسة، الليتورجيّا، أو الروح والكلمة، الكنيسة والليتورجيّا: الروح والكلمة، هما في أساس تكوين الكنيسة وبنائها. والكنيسة، من جهتها، تقوم بالليتورجيّا تعبيراً عن كينونتها بالروح والكلمة، وبها تُعلي بناءها وتنمو. فإذاً ليتورجيا الكنيسة كلمة حيّة وروح مُحيٍ.

من هنا، نبيّن الرابطة القويّة بين الليتورجيا والكتاب المقدّس من خلال طرح الموضوع على الشكل التالي:
1- ليتورجيّا الكنيسة، بشارة الكلمة.
2- ليتورجيّا الكنيسة، احتفال بالكلمة.
3- ليتورجيّا الكنيسة، عيش للكلمة.

1- ليتورجيّا الكنيسة، بشارة بالكلمة
ليتورجيّا الكنيسة، هي موقع الكلمة. بالتئامها، تعلن الكنيسة الكلمةَ وتبشّر بها بدفع من الروح القدس الحالّ فيها والعامل فيها وبها، هو الذي منه وبه كلُّ بشرى.
هذه الكلمة، التي تجد موقعها في الليتورجيّا، هي، حصراً، وبالدرجة الأولى، سرُّ المسيح الفادي، مضمون البشارة الرسوليّة.
إنّ سرّ المسيح الفادي، هذا الذي حوله تتمحور الكتبُ المقدّسة، هو ذاته موضوع الليتورجيّا ومحورها، إن على صعيد الصلاة الخورسيّة، على مدار السنة الطقسيّة، وإن على صعيد الأسرار. لذا، فكلّ احتفال ليتورجي يتضمّن، ضرورة، قراءات من العهدَين، القديم والجديد.
أمّا بالنسبة إلى الصلاة الخورسيّة، فكلّ احتفال يتضمّن أيضاً قراءات من آباء الكنيسة تشرح بدورها تلك المرحلة بالذات، إنطلاقاً من الكتاب المقدّس واستناداً إليه، بالإضافة إلى نصوص الصلوات والتراتيل التي تعتمد المنطلق ذاته.
وهكذا، فالليتورجيا، كموقع للكلمة، هي في علاقة واضحة وارتباط وثيق بالكتاب المقدّس، من حيث الطبيعة والموضوع المُشترك: "سرّ المسيح المخلّص؛.
من هذا المنطلق، أصبحت الليتورجيا في خدمة الخلاص. إذ تقوم بها الكنيسة، تنقل إلى المؤمن موضوعَ الكتاب المقدّس ومضمونه، توصله إليه، وتقرّبه إلى الأفهام تحت غطاء الرمز الطقسي والرتبة. بهذا تهدف الكنيسة، لا إلى إيصال رسالة أو عقيد فحسب، بل إلى إدخال الإنسان في مدار إيمان حيّ، موفّرة له من سرّ المسيح غذاء. على هذا الصعيد، تظهر ليتورجيّا الكنيسة كمدرسة للإيمان.
من جهة ثانية، بليتورجيتها، تُبنى الكنيسة، في التاريخ وبين شعوب الأرض، شاهدةً للتدبير الخلاصي، تصميم الله في الكون والإنسان. وهكذا، تصبح الليتورجيّا كلمةً معلنة، والنموذج لكلّ بشارة. على هذا الصعيد، تظهر ليتورجيّا الكنيسة كتعبير عن الإيمان.
لمّا كانت الليتورجيا موقع الكلمة، فهي بالتالي مائدة لها، تقدّمها للمؤمنين وتشركهم بها. ممّا يعني مواكبة الليتورجيّا للكلمة الحيّة عبر عصور الكنيسة وزمنها.
هذه الكلمة يبعثها الروح في الكنيسة ويفتح ذهن الكنيسة لتفْهمَها. فالروح هو معلّم الكنيسة ومرشدها. ومن خلال الليتورجيا، تعبّر الكنيسةُ عن تعمّقها وتدرّجها في فهم كلمة الرب، بل إنّها توزّعها على أبنائها وتُشركهم بها قوتاً وغذاء، كما استحدثها الروح فيها. فليتورجيّا الكنيسة هي روح وحياة بالكلم التي يُؤَوِّنها الروح القدس في الكنيسة عبر مسيرتها الزمنيّة. إنّها مائدة الخلاص وإطار اللقاء بالخلاص والمشاركة فيه، بالكلمة التي يُلهمها الروح للكنيسة في كلّ عصر.
والكلمة تخلق الليتورجيا في الكنيسة، وهذه من خلال الليتورجيّا تُؤَمِّن وصولَ الكلمة إلى المؤمن ومشاركته فيها وعيشه منها وبها. والعنصر الخلاّق، الديناميّة، في الليتورجيّة، كما في الكلمة، هو الروح.
لذا، فالليتورجيّا هي حياة الحيّ القائم من الموت تنصبّ في الكنيسة بفعل الروح، تُحييها، تُنميها وتسير بها نحو اللقاء الأخير.
وهكذا، فالليتورجيّا تضع الكنيسة أبداً في زمن المسيح الفادي وفي حضوره الأسراري. إنّه هو مصدر من الكنيسة، أساس وجودها والدافع لمسيرتها نحو اللقاء الأخير. وهو الروح، العامل في ليتورجيّا الكنيسة، يردّ المؤمنين إلى شخص الرب، إلى أقواله وأعماله، ويجعلها دوماً حاضرة على مائدة الكنيسة، الليتورجيّا.
وتسبق "البشارةُ" بسرّ المسيح الفادي - يسوع المصلوب الذي جعله الله "ربّاً ومسيحاً" - الفعلَ الليتورجي. من هذا تسبق البشارةُ كلَّ فعل ليتورجي، لأنّها تفسير للكتب المقدّسة، هذه التي تتمحور حول السرّ الفصحي. فهي تجعل حدث الإيمان مُمكناً، وتقود إلى الفعل الليتورجي / الأسراري، ليأتي هذا بدوره تعبيراً عنها، وعن قبول المؤمنين لها، وعن انطباعها في قلوبهم؛ وبالتالي، عن اشتراك المؤمن في السرّ الفصحي، سرّ المسيح الفادي، مضمونها. وهكذا، من "الكلمة / البشارة"، التي تفسرّ سرّ المسيح الفادي، إلى "الفعل الليتورجي / الأسراري"، الذي تقود إليه فيجسّدها، مروراً بالإيمان، الذي هو الحلقة التي تتوسط الحلقتين السابقتين وتجمع بينهما، يتحوّل الاحتفال الليتورجي، ككلّ، إلى بشارة بالسرّ الفصحي.
تتجلّى هذه الأسبقيّة الزمنيّة والمنطقيّة بوضوح بارز في الاحتفالات الليتورجيّة، وخاصّة الأسرار.
فالكلمة / البشارة، إذ تقود إلى الإيمان، ومن ثمّ إلى الفعل الليتورجي / الأسراري، هي مكوّنة للبنية الليتورجيّة؛ ومن هذا المنطلق، كانت البنية المزدوجة لكلّ احتفال ليتورجي:
قسم أو مائدة الكلمة، يليها القسم الأسراري أو المائدة الأسراريّة. فالقسم الأسراري هو اكتمال قسم الكلمة، والعكس صحيح أيضاً: قسم الكلمة يقود إلى القسم الأسراري، كتعبير عن الإيمان بالكلمة، أي سرّ المسيح الفادي الذي هو محور الكتب المقدّسة.
على هذا الصعيد، تظهر الليتورجيّا في أساس كلّ بشارة بالكلمة، ووراء كلّ فهم للكتاب المقدّس. فهي "مدرسة كتابيّة": باللقاء الإفخرستي الأسراري.
فمن دون الليتورجيّا، يبقى الكتاب المقدّس مغلقاً على سامعيه: ولا يتمّ تفسيره إلاّ داخل الكنيسة، عبر مسيرتها الزمنيّة، وبفعل الروح القدس. وهذا ما يجعل حدث الإيمان مُمكناً. وكلّ إيمان يتوق إلى فعل ليتورجي، كما إلى غايته واكتماله. ومن ثمّ، يردّ الفعل الليتورجي / الأسراري، بدوره، المؤمن إلى "الكتب" فتنكشف له مغلقاتُها.

2- ليتورجيّا الكنيسة، احتفال بالكلمة
وإنّ البشارة بالكلمة، البشارة بسرّ المسيح الفادي، الذي هو محور الكتاب المقدّس ككلّ، تتم عبر احتفال ليتورجي: إنّ ما يُعلن بالبشارة، هو ذاته يمرّ إلى حيّز الفعل الليتورجي، به تعبّر الكنيسة عن إيمانها بالكلمة التي يبعثها الروح فيها، وعن تدرّجها وتعمّقها في فهم الكلمة التي يُؤَوِّنها الروح في مسيرتها الزمنيّة. وهكذا تُبنى الكنيسة بليتورجيتها ومنها تحيا.
كلامنا هنا على الليتورجيّا، كاحتفالٍ بالكلمة، يقودنا إلى الأسرار. فإنّ كلاًّ منها هو احتفال ليتورجي كنسيّ بسرّ المسيح الفادي، بشرى الخلاص. إنّه احتفال يُصوّر، عبر الرمز والرتبة، ويجسّد اشتراك المؤمن بهذا السرّ الأوحد. بتعبير آخر، إنّه يعني دخول المؤمن في مدار الخلاص.
لذا من الضروري طرح ماهيّة كلّ من الرمز والرتبة لليتورجيَين ودور كلّ منهما في تحقيق الاحتفال الليتورجي / الأسراري، كاحتفالٍ بالكلمة.
- فالرمز الليتورجي هو ظاهرة تجمع في وحدة بين حقيقتين: واحدة حسيّة مرئيّة، وأخرى خفيّة، تتجاوز الأفق البشري خارج متناول الحواس. وهي، أي هذه الحقيقة الخفيّة بالذات، تتجلّى في الحقيقة الحسيّة المرئية، وتظهر للعيان في شكل مرئي.
وإنّ الرمز الليتورجي هو في طبيعته وحدة في بنية ثنائيّة. إنّه، على السواء، الحقيقة الخفيّة، ظاهرة للعيان في شكل مرئي. بتعبير آخر، إنّ الشكل المرئي هو تجسيد الحقيقة الخفيّة، ممّا يعني أنّ الرمز الليتورجي لا يتجزّأ. إنّه وحدة متماسكة، إذ لا يمكن الفصل بين الشكل الظاهر والحقيقة الخفيّة. فالرمز الليتورجي لا يعني إلاّ ذاته، لا يشير إلاّ إلى ذاته، وليس إلى شيء آخر خارجاً عنه.
والرمز الليتورجي ذو بنية ثنائية، وهو يضعنا في حضور السرّ، هذه الحقيقة الخفيّة تأتي إلينا في شكل مرئي. فهو يتحرّك بين "الخفي" و"الظاهر": هو "الخفي" يعتلن في "الظاهر". وهو "الظاهر" يقود إلى "الخفي". هذه الحركة المزدوجة، داخل الوحدة الذاتيّة، هي التي تجعل الرمزَ الليتورجي يظهر "ظهور سرّ".
هذه الحركة المزدوجة، داخل الوحدة الذاتيّة، التي تكشف عن حضور السرّ، تعني أنّ هذا السرّ هو الذي يعتلن للإدراك البشريّ، وأنّ هذا الأخير، لا يتمكّن بقواه الذاتيّة من أن يدرك أو يلج أعماق السرّ.
هذا الرمز / السرّ يجد معناه وكلّ أبعاده كاملة في سرّ المسيح الفادي، محور الكتاب المقدس، محور الليتورجيّا وموضوعها.
فالمسيح يسوع، كونه "ابن الله"، هو هذه الحقيقة الشخصيّة الخفيّة. هو "الخفيّ" ابن "الخفي" والمحجوب في طبعه، الذي يعلو الأفق البشري ولا يقع في متناول الحواس. وفي كونه "إنساناً"، فهو هذه الحقيقة الشخصيّة المرئيّة، تُظهر الله الخفيّ للعيان، بالجسد الذي أخذه من مريم البتول. ابن الله صار إنساناً، فعاش ضمن أُطُر الأُفق البشري والتاريخ، دون أن يبرح مسكن الألوهة المحجوبة. فيسوع المسيح هو نور وجه الآب أشرق في وجه الإنسان.
وبالتالي، فالمسيح يسوع، هذا الرمز / السرّ، هو وحدة لا تتجزّأ: إنّه الإله / الإنسان في شخص واحد، طبيعتان في شخص واحد. وكلّ محاولة تجزئة في شخصه الواحد تعني هدم التجسّد.
- الرتبة الليتورجيّة تُعرَف كظاهرة اجتماعيّ دينيّة، لها القدرة على توحيد أفراد على صعيد روحي ديني. فيها يتجمّع المعتقد الديني، وهي له أداة تعبير. وإذ تتكوّن بُنيتها، جوهريّاً، من "الكلمةة"، و"حركة"، فهي بالتالي فعل له نتائجه وفاعليّته في المشاركين.
وتجد الرتبةُ الليتورجيّة الحدثَ الأوّلي والتأسيسي في حدث الفادي الذي هو محور الكتب المقدّسة ومضمونها، وعليه ترتكز كقاعدة أساسيّة لها ومنه تأخذ الدفع والمعنى والقيمة. إنّه يشكّل الضمانة لفاعليتها. منه تنطلق، فتنقله وتسلّمه إلى أجيال الكنيسة التي يرقى بها الروح إلى فهم هذا الحدث والتعمّق فيه، فيغتني به المؤمنون خُبُراتٍ إيمانيّة وروحيّة متتالية، جيلاً بعد آخر. وهكذا، تُؤَمِّنُ الرتبة الليتورديّة، بدورها، استمراريةً في الزمن لحدث المسيح الفادي.
أما عن العلاقة  بين الرمز / السرّ والرتبة، فهي كالآتي:
هناك، أولاً، الرمز / السرّ: المسيح الفصحي، هذه الحقيقة الخلاصيّة الخفيّة، التي تجد قيمتها ومعناها بذاتها وفي ذاتها. فمن أجل أن يُصار إلى علاقة مع هذه الحقيقة الخلاصيّة الخفيّة وإلى اتّصال بها واشتراك فيها، تعتمد شبكة رمزيّة حسيّة، هي الرتبة الليتورجيّة التي من شأنها أن تجسّد تلك الحقيقة الخفيّة في واقع الإنسان وزمنه. فالرمز / السرّ وترجمته في شبكة رمزيّة حسيّة مجانسة يُؤدّيان إلى الفعل الليتورجي، أي الرتبة.
دون الرمز / السرّ، هذه الحقيقة الخلاصيّة الخفيّة، لا قيمة للرتبة الليتورجيّة.
ويُحدّد الرمز / السرّ طبيعة الرتبة الليتورجيّة ومعناها، ويُعطيها فاعليّة، لأنّ الحقيقة الخلاصيّة المَعنيّة بالرتبة تأتيها من الرمز / السرّ، والرتبة الليتورجيّة تنقل هذه الحقيقة وتشرك فيها، بغية الحصول على نتائج.
فالرتبة الليتورجية ضرورة لبلوغ مضمون الرمز / السرّ. فهي الوسيلة للوصول إلى جوهر الرمز / السرّ والاشتراك فيه.
فالرتبة الليتورجيّة هي احتفال كنسيّ، بمضمون كلمة البشارة: المسيح الفادي، احتفال يعبّر الإيمان الشخصي والجماعي به، يعبّر الاشتراك فيه ويُعلنه. فالرتبة الليتورجيّة هي لسان الإيمان بالرمز / السرّ وتعبيره وترجمته وإعلانه. فهي له كالحركة بالنسبة إلى الكلمة.
فالأسرار، هي مجموعة هذه الرتب الليتورجيّة الرمزيّة التذكاريّة، حيث يعمل المسيح المُمجَّد بروحه، مواصلاً الخلاص في الكنيسة وبها عبر الزمن، من خلال تجسّدات مختلفة، وهي مبنيّة على شخص المسيح الفادي، أساسِها، الذي هو أيضاً محور الكتاب المقدّس ومضمونه. ولمّا كانت الأسرار تعني مباشرةً الكائن البشري، فهي تكوّنه مسيحيّاً: تبشّره بموضوعها: سرّ المسيح الفادي، تشركه به وتعمّق معرفته له. ومن ثمّ، تبنيه وتُجدّده باتّصاله الدائم بالمسيح الفادي ولقائه به من خلالها.
وكلّ احتفال ليتورجيّ، وبنوع أخصّ الأسرار، إنّما هو "بشارة"، ترتبط بالبشارة الرسوليّة، بأنّ يسوع، هذا المصلوب، قد أقامه الله وجعله ربّاً ومسيحاً. هو "فعل إبمان مُعْلَن" بمضمون البشارة الرسوليّة، وهو مجاهرة بهذا الإيمان، تُطلِقها الكنيسة، بقوّة الروح العامل فيها، عن طريق الاحتفال الليتورجي، الرتبة، هذا الفعل الرمزي. هذا هو بالذات ما يجعل الليتورجيّا بشارة بالكلمة واحتفالاً بها في آنٍ.

3- الليتورجيّا، عيش للكلمة
الليتورجيّا، هي "بشارة" بالكلمة، عن طريق "الاحتفال" بها، من أجل أن نحياها. هذا يعني أنّ حياة المسيحي اليوميّة تصبح ذات طابع كتابي / إنجيلي، والموقع الأساسي للعبادة المسيحيّة. إنّها زرع الكلمة في تربة جيّدة.
تصبّ هذه الوجهة في خانة الفعل البشري، التصرّف أو المسلك الحياتي، وتعنيه مباشرة. إنّها ترمي في تطلّعها إلى الوجود المسيحي في العالم، كرسالة: شهادة بالعمل والعيش لما يعتنق ويمارس في حياته الكنسيّة.
هذا يعني أنّ الوجود المسيحي ككلّ، مدعوٌّ إلى أن يكون ليتورجيّا حيّة: بشرى معاشة لكلمة الخلاص: والحياة في مسيرتها اليوميّة وظروفها المختلفة، حياةً أسراريّة، احتفالاً يترجم الإيمان بالكلمة والشراكة في حياة المخلّص.
هذا يعني أيضاً أنّ المسيحي مدعوّ إلى أن يكون سرّ حضور المسيح، سرّ تواصليّة حضوره الخلاصي في الزمن. ضمن الكنيسة جماعة المؤمنين وبفعل الروح القدس وقيادته وتوجيهه، هذا الروح العامل أبداً على تحقيق سرّ المسيح الفادي في الكنيسة، ومن خلالها في العالم، عن طريق الليتورجيّا.
وإنّ المشاركة على صعيد الحياة الليتورجيّة الكنسيّة تلزم بمشاركة على صعيد الحياة اليوميّة. فهذه هي أيضاً كنسيّة، وتصبّ ضرورة فيها، بل تتّجه في عمقها وجوهرها إلى أن تتجلّى فيها.
وإنّ الإيمان المسيحيّ حَذِرٌ بالنسبة إلى ما هو "رتب وطقوس". وهو بذلك ينبّه إلى ما تنطوي عليه هذه من ملابسات. فإذا كان الإيمان المسيحي يشهد، لضرورة الرتبة - الشكل الخارجي - فهو مع ذلك لا يطمئنّ كليّاً إلى وجودها، ذاك أنّ وجودها هذا لا يأتي تلقائياً.
فالرتب في الكنيسة لا تحلّ مكان الرتب اليهوديّة أو الوثنيّة. والكهنة ليسوا خلفاء اللاويين في العهد القديم. وحاشا أن يكون يسوع "مؤسِّسَ" دين على غرار بوذا أو محمد... إنّ المسيح يسوع هو أساس استحداث فريد من نوعه. فبشخصه انقلب كليّاً مفهوم العلاقة بين الله والإنسان، بين الإنسان والله.
فالاحتفال الليتورجي - فعلُ العبادة هذا - الذي يأخذ معناه وقيمته ومبرّر وجوده من الكتاب المقدّس، لا يتناقض مع فعل العبادة الآخر: الحياة اليوميّة. بل المطلوب هو خلق وحدة بين الاثنين. إنّما المخيف، هو أن ننسى أو نتجاهل تجذّر الحياة الليتورجيّة الكنسيّة في الحياة اليوميّة الكنسيّة، هذه التي تُعبرَ ظاهرةً أسرارية والوجه الإنجيليّ للوجود المسيحيّ.
 


الصفحة الرئيسية

   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة الرئيسية