كتابات قديمة
 



الأدب المنحول

 

لقد استعمل اتباع الغنوصيّة لفظة "منحول"، للدلالة على كتبهم الخاصّة. فقد كان لهذه الكتب من المكانة والقيمة في أعينهم بحيث لم يكونوا يسمحون بالاطّلاع عليها إلاّ للأعضاء الكاملين منهم، فيما كانت تحجب عن الباقين.
إلاّ أنّ هذه اللفظة التي كانت تتمتّع بالاحترام في الغنوصيّة استعملتها الكنيسة لتقاوم بها الغنوصيّة عينها، مضيفة عليها معنى الخاطئ والهرطوقيّ والمحروم، وراحت تنعت بها كلّ الكتابات التي كانت تمتّ إلى الأسفار المقدّسة بصلة، بعنوانها أو محتواها أو نمطها، إنّما كانت نسبتها خاطئة أو محتواها هرطوقيّاً، ومن ثمّ كلّ الكتابات التي لم تكن من مجموعة الأسفار المقدسة القانونيّة (أي أسفار العهد القديم والجديد التي تعترف بها الكنيسة).

نرى إذن أنّ لفظة "منحول" لا تعني بحدّ ذاتها الهرطوقيّ. بل إنّ من الكتابات المنحولة ما ينطوي على عناصر لاهوتيّة وروحيّة تقويّة جديرة بالثقة، بيد أنّها لم تجد محلاً لها في مجموعة الأسفار المقدّسة القانونيّة إذ قد انسلّت إليها أساطير وروايات عجائبيّة يُستثقل فهمها، فلم تعد في مجملها جديرة بالثقة.
من هذه الأسفار المنحولة غير القانونيّة ما يتعلّق بالعهد القديم وهو قليل، ومنها ما يتعلّق بالعهد الجديد وهو كثير جداً.
ابتداءً من نهاية القرن الثاني نقع على أسفار مختلفة، أكثرها أناجيل وسير رسل، بعثت عليها التقوى الشعبيّة والرغبة في الفائدة اللاهوتيّة، وهدفت إلى ملء الفراغات الكثيرة التي نقع عليها في الأسفار القانونية، والمتعلّقة، على سبيل المثال، بطفولة مريم ويسوع أو بمصير الرّسل. ونجد كذلك أسفاراً تطمح إلى منافسة الأسفار القانونيّة وإلى اعتبار تعاليم وآراء الجماعات والشيع المختلفة أو التقاليد والعادات المحلّيّة شرعيّة صحيحة. ونعثر أيضاً على كتابات متأخرّة تسعى إلى الإجابة عن مسائل دفاعيّة أو عقيديّة معاصرة مدّعية سلطة الرّسل ادّعاء وهميّاً.

ومن هذه الكتابات المنحولة جزءٌ يميل إلى الهرطقة أو إلى الغنوصية في أغلب الأحيان، وجزء أعاد صياغته كتّاب "كاثوليكيّون"، وجزء وضعه كتّاب "كاثوليكيّون".
إنّ محتوى هذه الكتابات وشكلها يبيّنان الفرق بينها وبين الأسفار القانونيّة. وما يرِد فيها من الخوارق والغرائب، الصعبة الفهم أحياناً، يترك لدى القارئ انطباعاً سيّئاً. وبالرغم من ذلك فإنّ هذه الكتابات وثائق هامّة ومفيدة للتاريخ الكنسيّ إذ إنّها تعكس ما كان يسود في الأوساط الشعبيّة القديمة من أفكار وتقاليد وميول دينيّة، وفيها نجد أقدم الأساطير المسيحيّة والروايات القصصيّة.
ولقد كان لكتابات العهد الجديد المنحولة أثر كبير في الفنّ المسيحيّ القديم والمتوسط لا بل الحديث، في النحت والرسم والشعر.

من هذه الكتابات المنحولة يمكننا استخلاص أربعة أنماط أدبيّة توازي أربعة أنماط العهد الجديد، وهي:
أ‌- النمط الأول هو الأناجيل التي لم تجد لها محلاً في مجموعة الأناجيل القانونيّة والتي كانت ترمي إلى تكميل النصوص القانونيّة.
ب‌- النمط الثاني هو الرسائل المنسوبة خطأ أو زعماً، والهادفة في معظمها إلى الإتيان بإضافات أو تصويبات تعليميّة.
ت‌- النمط الثالث هو سير الرّسل والتي كانت تهدف إلى تكميل المعطيات القليلة المبعثرة التي نجدها في العهد الجديد عن الرسل.
ث‌- النمط الرابع هو الرؤى التي أُعيدت، في البعض منها، صياغة نصوصٍ يهوديّة، والتي طَوّرت لغاياتها الخاصّة أيضاً النمط الأدبيّ الرؤيويّ المأخوذ عن اليهوديّة.
 

ـــــــــ
المرجع:

المطران كيرلّس سليم بسْترس - الأب حنَّا الفاخوري - الأب جوزيف العَبسي البولِسيّ، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المكتبة البولسيّة، جونية 2001
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة الرئيسية