كتابات قديمة
 

 

الكتابات الدفاعية


لقد اصطدمت المسيحيّة، منذ نشأتها، ببيئتها اليهوديّة، والوثنيّة، فاضطرَّت إلى الدّفاع عن نفسها. وإنّنا نجد أثراً لذلك في العهد الجديد: خطاب الشهيد اسطفانوس (أع 7)؛ وخطاب بولس (أع 17 : 16 – 34).
وفي القرن الثاني طرأت تغييرات على أحوال الكنيسة فأصبح الدّفاع عن المسيحيّة نمطاً أدبيّاً خاصّاً. وهذا ما أجاز للباحثين التكلّم عن "المدافعين" أي الدفعة الأولى من كتّاب النصف الثاني من القرن الثاني، الّذين خصّصوا كتاباتهم للدفاع عن المسيحيّة. ولمّا كانت بيئة المسيحيّين بيئة يهوديّة ووثنيّة فقد وجّه الكتّاب المدافعون دفاعاتهم إلى اليهود والوثنيّين.

كان للدفاع عن المسيحيّة بوجه اليهودية هدفان:
الهدف الأول تحديد الفوارق بين المسيحيّة وجذورها اليهوديّة. فركّز الكتّاب خصوصاً على الاعتراف بيسوع مسيحاً، وعلى تفسير العهد القديم بأنّه تهيئة لمجيء المسيح وتبشير به.
والهدف الثاني هو هداية اليهود إلى المسيحيّة وإقناعهم بالإيمان بيسوع المسيح اعتماداً على معطيات العهد القديم عينه.
إنّ الكتابات الدفاعيّة الموجّهة إلى اليهود قليلة في مبادئ الأدب المسيحيّ، إذ إنّ محاوريها قليلون. إلاّ أنّ أهميّتها ليست بالقليلة.
أمّا الدفاع عن المسيحيّة بوجه الوثنيّة فكان له وجه آخر. فلقد كانت الاضطهادات تعصف بالمسيحيّين من حين إلى حين، هنا أو هناك، تؤجّجها الوشايات والحسد والاتّهامات الباطلة وسوء الفهم، وما كانوا ليشعروا بأنّهم مذنبون أساءوا في شيء بل كانوا يرون في هذه الاضطهادات ظلماً.
وقبل أن يذيع داكيوس (250 / 251) إعلانه القاضي بأنّ يقدّم جميع سكّان الإمبراطورية الذّبائح لآلهة رومة تحت طائلة العقاب، لم يكن في الحقّ الرومانيّ نصّ يجيز اضطهاد المسيحيّين. فأصبح الاسم المسيحيّ وحده سبباً كافياً لاضطهاد حامله. ولم يكن في هذه الحالة، من يستطيع أن يأتي إلى نجدة المسيحيّين وحمايتهم، في كلّ أرجاء الإمبراطورية، إلاّ الإمبراطور نفسه. لذلك وجّه المدافعون المسيحيّون في القرن الثاني كتاباتهم الدفاعيّة إلى الإمبراطور أو الأباطرة لافتين انتباههم إلى تجاوزين قانونيّين:
أولاً إذا كان المسيحيّون معرَّضين للاضطهاد لأنّهم مسيحيّون فليس على الدولة إلاّ اضطهادهم من دون حاجة إلى وشايات، كما أعلنه الإمبراطور تريانس في مراسلته مع بلينُس الشاب عام 112.
ثانياً على ذوي السلطة الإتيان ببراهين تثبت ذنب المتّهَمين المسيحيّين، فإنّ الاتّهامات التي تُساق عليهم لا شكّ أنّها كثيرة، من كُفر وزنى وأكلِ لحوم بشر وقتل أطفال، إلاّ أنّه لم يُؤتَ حتّى الآن ببرهان واحد على أحد هذه الاتّهامات.
كان الهدف من الدليل البرهانيّ الذي تسلّح به المدافعون المسيحيّون إزالة سوء التفاهم، وتصحيح الصورة الخاطئة التي رسخت في ذهن الشعب عن المسيحيّين، وسبّبت لهم الاضطهاد. كان على هؤلاء الكتّاب أن يصوّروا المسيحيّة بصورة إيمانيّة وعقيدية مقبولة، تتّفق والخير وشرائع الدولة. فهم يصلّون من أجل الإمبراطور، ويشتركون في الحياة العامّة، وتملي عليهم واجباتهم الأخلاقيّة المسيحيّة احترام الحقّ... إلاّ أن حجر العثرة بقي منتصباً ألا وهو عبادة المسيحيّين لإله واحد، وامتناعهم بالتالي عن تكريم الآلهة في الحفلات الرسميّة. وما كان عليهم إلاّ أن يبرهنوا بوضوح عن تفوّق إيمانهم واتّفاقه والعقل، ممّا قادهم، في داخل الكنيسة، إلى إرساء أُسس علم اللاهوت.
ولم يكن من العسير بسط الإيمان المسيحيّ أمام أناس غير مسيحيّين إذ إنّ بينهم مثقّفين متضلّعين من المعارف الفلسفيّة كوّنوا لأنفسهم صورة عن الله متعالية حدّدوا بها نظرتهم إلى العالم ومسلكهم الأخلاقيّ. فكان الجوّ إذن ملائماً لتقبّل العقيدة المسيحيّة.

إذن كان على الكتّاب المدافعين المسيحيّين أن يتصدَّوا لثلاث معضلات:
أولاً: الردّ على التهجّمات والأعمال والحجج المسوقة على المسيحيّين، بالبرهان على أنّها ليست مبرّرة أو تنقصها الحجج؛ وثانياً: و ضع حدّ للتفاسير الخاطئة المفسّرة للمسيحيّة بالتكلّم عن المسيحيّة كما هي عليه؛ وثالثاً: تأسيس وتعليل واضحين للإيمان المسيحيّ بإظهار النقص في عقيدة الخصوم. وكانت تحدو على هذا الهدف الأخير غيرة رسوليّة لهداية هؤلاء الخصوم إلى المسيحيّة.
ولتبيان حقيقة المسيحيّة تسلّح المدافعون بالبراهين التالية:
. البرهان الأخلاقيّ ولاسيّما برهان المحبّة التي ينادي بها ويطبّقها المسيحيّون.
. البرهان المبنيّ على تنبّؤات السيّد المسيح والأنبياء من قبله.
. برهان الأقدميّة الذي يبيّن الوحدة الداخليّة بين العهد القديم و العهد الجديد، وتحقيق نبوءات العهد القديم في العهد الجديد.
. برهان المعجزات. بيد أنّ المدافعين لم يلجأوا إليه كثيراً إذ إنّ من الناس مسحاء كذبة وسحرة قادرين على اجتراح المعجزات بالاستعانة بالشياطين..
إنّ نصف الكتابات الدفاعيّة التي لنا علم بوجودها مفقودة أو لم يصل إلينا إلاّ من خلال بعض الاستشهادات ورد أكثرها في "التاريخ الكنسيّ" لأوسابيوس.
إنّ أفضل وأقدم مخطوطة تحوي كتابات المدافعين اليونانييّن الذين من القرن الثاني هي المجموعة الباريسيّة 451 (Codex Parisinus) التي كُتبت عام 1914 لأَريتاس رئيس أساقفة قيصريّة الكبّادوك. وكانت قبلاً مجموعة تضمّ مدافعي القرون الثلاثة الأولى جميعاً وأوسابيوس من بينهم. ومن هذه المخطوطة تفرّع معظم مخطوطات المدافعين اليونانيّين، ما عدا يوستينوس وثيوفيلُس الأنطاكيّ والرسالة إلى ديوغنيتس وإرميا.
 

ـــــــــ
المرجع:

المطران كيرلّس سليم بسْترس - الأب حنَّا الفاخوري - الأب جوزيف العَبسي البولِسيّ، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المكتبة البولسيّة، جونية 2001
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة الرئيسية