كتابات قديمة
 



إلى ديوغنيتُس


أولاً: المخطوطة
ليس من ذكر لهذا المؤلَّف في القرون المسيحيّة القديمة أو في العصر المتوسّط. دعي "الرسالة إلى ديوغنيتُس" حين نشره لأول مرّة هنري إتيان عام 1592. لكنّه في الواقع ليس برسالة بل هو خطاب أو بحث. ولقد صُنِّفَ وقتاً ما بين مؤلّفات الآباء الرسولييّن، إلاّ أنّه كتاب دفاع موجَّه إلى شخص مجهول يدعى ديوغنيتُس من مسيحيّ حافظ للتقليد ومطيع للرسل.
نقع على هذا الدفاع في مجموعة واحدة من القرنين الثالث عشر والرابع عشر هي نسخة عن مخطوطة من القرنين السادس والسابع. اكتشفه صدفةً توماس الأريتزي حول العام 1436 في سوق للسّمك في القسطنطينيّة، حيث كانوا يصرّون به الأغراض، وانتهى به المطاف، في القرن الثامن عشر، في المكتبة البلديّة لمدينة ستراسبورغ حيث دمّره قصف البروسيّين مع ما دمّر من أشياء، في 24 آب عام 1870. إلاّ أنّه من الممكن أن ننشئ النصّ من جديد إنشاءً مُرضياً بالاستعانة بنسخات قديمة وبطبعات علميّة وبنصوص مقارنة، ولو أنّ دقائق النصّ تبقى خاضعة للشكّ.
يميل معظم الباحثين إلى الاعتقاد بأنّ الفصلين الحادي عشر والثاني عشر أُضيفا لاحقاً وهما من كاتب آخر؛ ويرى غيرهم أنّهما أصليّان، فيما يرى البعض الآخر أنّهما يؤلّفان نصاً ثانياً من الكاتب نفسه ضمّه التقليد إلى النصّ الأول.
الكاتب لمجهول، ولا يسعنا أن نقول إنّه كوادراتس كما ذهب أندريسِّين. وكذلك لا نعرف أين كتب ومتى كتب. لكنّ التاريخ المتعارف عليه هو النصف الثاني من القرن الثاني بين العام 190 و 200.

ثانياً: المحتوى
النصّ غنّي لاهوتيّاً وروحياً وجميل جدّاً أدبياً. إلاّ أنّه مختصر، يبدي كاتبه سخريّة للوثنيّين ولليهود والفلاسفة.
يطرح مطلع الدفاع (1،1) ثلاثة سؤالات جوهريّة يرغب ديوغنيتُس في الحصول على جواب عنها:
- من هو إله المسيحيّين، كيف يجلّه المسيحيّون، ولماذا لا يكترثون للموت، ولماذا لا يأخذون بعبادات اليونانييّن، ولا بعبادات اليهود؟
- ماذا يعنون بمحبّتهم للقريب؟
- لماذا لم يُعرف إيمانهم إلاّ الآن، لماذا لم يُعرف من قبل؟
. جواباً على السؤال الأول، تنطلق الفصول 2 – 4 بأسلوب حذق من مفهوم الله الفلسفيّ الذي يقبل به ديوغنيتُس، لتبرهن أنّ آلهة الوثنييّن هي ماديّة صنعتها أيدي البشر ومن الباطل إجلالها. أمّا اليهود فكانوا، بلا شكّ، يعبدون الله الحقيقيّ، لكن عبادة خاطئة، إذ كانوا يقدّمون له ذبائح منقادين إلى الخرافات ومقيّدين حتى الوسواس بشرائع سخيفة.
ويصف الفصلان الخامس والسادس كيف يعيش المسيحيّون: رجالاً نظير غيرهم إلاّ أنّهم بانتمائهم إلى المسيح قد أمسوا من مواطني السّماء. لذلك يفوقون الناس بكيانهم وعملهم كما تفوق النفس الجسد.
يؤلّف الفصلان الخامس والسادس نواة هذا الدفاع ويضفيان عليه كلّ أهميتّه. فلا يكتفي الكاتب بوصف واقعيّ للمسيحيّة بل يقود محاوره إلى حيث يسعه اكتشاف سرّها. فالمسيحيّة "ديانة لا تنتمي إلى العالم لا في أصلها ولا في نهايتها، ولا يسع المعايير الأرضيّة بالتالي أن تفسّرها"، فإن حقيقتها لا تُدرك من الخارج بل يدركها فقط الذي يملكها ويعيشها من الداخل.
يحاول المؤلّف أن يظهر المفارقة التي تطبع هذه المؤسّسه إذ إنّها في العالم وليست من العالم في وقت واحد، داعماً ما يطرح من أفكار بأسلوب ساحر خلاّب. إنّ المجتمع المسيحيّ مجتمع صغير، لا شكّ، إلاّ إنّه مجتمع جامع شامل ومن صُلب العالم. لذا لا يحقّ للمسيحيّين أن ينعزلوا في غيتّوات. إنّهم في وسط العالم يخصبونه مثل القوّة التي تبثّها النفس في الجسم.
وهذا العالم ليس مكاناً للقيم الخاطئة وحسب بل هو أيضاً وسيلة للحصول على قيم حقيقيّة صحيحة.
. ويشرح الفصلان السابع والثامن كيف تفهم المسيحيّة الله القدير خالق الكون، الله الغير المنظور والصالح، منتقدين تصورّات الفلاسفة لله، لكي يدعما إيمان المسيحيّين وحياتهم والجواب على السؤال الثالث التالي (9 – 10). فلقد كان تدبير الله وابنه منذ الأزل أن لا يُرسل الابن ليخلِّص الناس من الخطيئة والموت قبل أن يقتنع الإنسان بظلمه ويعترف بأنّه لا يتمكّن من أن يخلص بذاته:
إنّ الخلاص هو تجلّي تدبير أزليّ في الزمن (8 ، 9)؛ لقد تجلّى الله ممتلئاً محبّة وطول أناة وصبراً (8، 7؛ 9، 2)؛ لقد أدركت البشريّة بخبرتها عجزها الجذرّي عن الحصول على التبرير؛ ويستطيع الإنسان هكذا أن يفهم الضرورة اللازمة لخلاص مجّانيّ (9، 1 – 2).
لذلك إنّ للديانة المسيحيّة أصلاً فائق الطبيعة، أوحى به الكلمة المخلِّص الذي سوف يأتي في يوم من الأيام للدينونة:
بمنتهى الحلم واللطف وكما يرسل ملكٌ، ابنه، أرسله كما هو، إلهاً. أرسله كما ينبغي للناس، ليخلّصهم بالإقناع وليس بالعنف: فليس في الله عنف. أرسله ليدعونا إليه لا ليشكونا، أرسله لأنّه كان يحبّنا لا ليديننا. ولسوف يأتي يوم يرسله فيه ليدين، ومن يسند عندئذٍ مجيئه؟ (7، 4 – 6).
ويُفضي الدّفاع في الفصل العاشر إلى دعوة ديوغنيتُس إلى الاهتداء إلى المسيحيّة بالإيمان بالله ثمّ بمعرفته والاقتداء به:
فإذا ما عرفته (الله) – فكِّر – فيا للفرحة التي ستملاً قلبك! لَكم تحبّ الذي أحبّك أولاً! وإذا ما أحببته أمسيت مقتدياً بصلاحه، ولا تعجب أن يقدر الإنسان أن يصبح مقتدياً بالله: يقدر لأنّ الله أراد (10، 3 – 4).
وينتهي الدفاع بلوحة رائعة يبزع فيها على كنيسة اليوم فجر الأبديّة:
ما عادت حوّاء مخدوعة، بل إذ قد ظلّت عذراء فإنّها تعلن إيمانها. إنّ الإيمان يتجلّى، والرّسل يفقهون، وفصح الرّب يقترب، والأزمنة تتمّ، ونظام الكون يرتَّب، والكلمة يرتضي أن يعلّم القديسين. فبه يتمجّد الآب الذي له المجد إلى دهر الداهرين. آمين (12، 8 – 9).
ويبدو هكذا المؤلّف أكثر من دفاع بسيط، يبدو مؤلّفاً للدعاوة من أجل المسيحيّة:
فإنّ موت الشهداء الذي كان يسبّب شكّاً لديوغنيتُس أصبح عند الكاتب برهاناً على قدرة الله، يقدّمه الشهداء بشجاعتهم وخصب تضحيتهم:
ألا ترى كيف يرمون بالمسيحيّين للوحوش ليرغموهم على نكران السيّد فلا ينغلبون؟ ألا ترى أنّه كلّما كثر الشهداء كثر المسيحيّون؟ فلا يمكن أن تكون هذه البطولات من صنع الإنسان. إنّها ناتجة عن قدرة الله، إنّها البرهان على مجيئه (7، 7 – 9).
وليس من معنى للشهادة إلاّ في المسيحيّة:
لسوف تحبّ وتعجب ممّن يعذّبون لأنّهم لا يريدون أن ينكروا الله... عندما تعلم ما هي الحياة الحقيقية، عندما تحتقر ما نسميّه، على هذه الأرض، الموت (10، 7).
وإنّ الكنيسة تتابع رسالة المسيح:
إنّ الكنيسة تغتني به (الابن)... تقدّم ذاتها إلى من يلتمسها محترمة قواعد الإيمان وغير متعدّية المعالم التي نصبها الآباء، وعلى هذا النحو نترنّم بمخافة الشريعة، ونعترف بنعمة الأنبياء، ويتثبّت الإيمان بالأناجيل، ويُحفظ تقليد الرّسل، وتقفز حبوراً نعمة الكنيسة (11، 5 – 6).
إنّ أسئلة ديوغنيتُس والأجوبة عليها من الأساليب النموذجية التي كانت مستعملة في الدفاعات المسيحيّة القديمة. وإذا كانت الأسئلة المطروحة تستدعي معلومات عن أساس الديانة الجديدة (صورة الله) وعن مظاهرها المميّزة (محبّة القريب) فإنّها أيضاً أسئلة محرجة تستدعي تعليلاً للإيمان: لماذا يشترك المسيحيّون في العبادات الرسميّة نظير باقي الديانات المقبولة في الإمبراطوريّة الرومانيّة؟ وإذا كانوا لا يرضون أن يشتركوا، لماذا لا يبقون أمينين لجذورهم اليهوديّة، واليهود معفون من الاشتراك بالعبادات، بل يتبعون طريقاً ثالثاً، طريقاً جديداً؟ ثمّ إذا كانت الحقيقة خالدة أليس من المنطقيّ أن تكون في التقليد؟ فكيف تدّعي المسيحيّة، وهي ديانة جديدة، امتلاك الحقيقة والتفوّق على التقليد الذي اختبره القدامى؟
وإنّ تصميم الأجوبة يخضع هو كذلك لقواعد نموذجية في النمط الدفاعيّ. فهي تستند أولاً إلى الاعتقادات الشائعة، من مثل صورة الله الفلسفيّة ورفض العادات اليهوديّة، لتقدّم، بخطاب فلسفيّ، ما في المسيحيّة من إيجابيّات وتفوّق، من دون الانجراف إلى الآراء الفلسفيّة المرفوضة، ولتشرح أنّ المسيحيّة، ولو جاءت متأخرّة، فإنّها هي الحقيقة الوحيدة، ولتحثّ أخيراً من تخاطبه على الاهتداء.

 

ـــــــــ
المرجع:

المطران كيرلّس سليم بسْترس - الأب حنَّا الفاخوري - الأب جوزيف العَبسي البولِسيّ، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، المكتبة البولسيّة، جونية 2001
 


الصفحة الرئيسية
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
عودة إلى الأعلى


الصفحة الرئيسية